خطوط التماس واليقظة السياسية
هزاع البراري
23-02-2026 12:11 AM
ليس جديداً ما يحدث في الإقليم، حتى إن سمة الاستقرار طويل المدى تُعد استثناءً غير موثوق به. وعليه، فإن هذا اللاسلم، والحرب التي تأتي وتذهب ولا تذهب كاملة، هي الحالة الأكثر رسوخاً منذ حملة نابليون باتجاه عكا وبلاد الشام قادماً من مصر، ومن بعدها حملة إبراهيم باشا على بلاد الشام. فلم تعرف المنطقة منذ ذلك الحين استقراراً راسخاً، بل هي بين حرب واستعداد لحرب قادمة؛ نيران هنا، وبراكين تثور هناك، وكأن الإقليم الأقدم حضارةً والأعمق تاريخاً ما يزال يتشكل مثل جزيرة بركانية حديثة النشأة.
ويمكن ردّ ذلك إلى عوامل كثيرة تتجدد في كل مرحلة، وأولها لعنة الجغرافيا والإرث التاريخي والإثني؛ إنها خطوط التماس الحارة بين كل مكونات المنطقة، وما راكمته من تعقيدات ديمغرافية وثروات طبيعية وأطماع دولية، وغيرها الكثير من المؤثرات والعوامل التي يستفحل أثرها المدمّر عقداً بعد عقد، بل قد تتحول هذه العوامل ذاتها إلى أهم مدخلات التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
وليس جديداً أيضاً أن الأردن في بؤرة هذا الشرق ملتهب الخطوط؛ فأسلاكه عارية وعالية الفولتية، مما يجعل أدنى حركة تلامس قابلة للاشتعال بشكل متسلسل يهدد رقعة واسعة من هذا الشرق المشحون. إنه الأردن المستهدف دوماً لأنه يعرف كيف يطفئ خطوط التماس قبل اشتعال فتيلها. وطن لا يهادن ولا ينحني، لكنه يسبق الشر بخطوة، ويبادر عندما يتراجع أصحاب الأصوات العالية، ويضرب الأوكار المشحونة بالسواد قبل اكتمال المكر. لا يملك بارجات ولا حاملات طائرات ولا صواريخ بالستية طويلة المدى، لكنه يرصد موضع المكيدة، ويتتبع تفاصيل مخططات خفافيش الليل والكهوف العفنة، ويقتصّ منها وهي في بواكير التكوين. ما يستتر بالخبث ولون التراب للطعن في الظهر يفاجأ بسرعة وحرفية رد الفعل. لا ينكسر، وإن عزّت عليه دماء الشهداء، فالأوطان تبقى ما بقي الشهداء.
اليوم المسألة أشد تعقيداً وأكثر غموضاً من أي مرحلة؛ فبين مشاريع دول طامعة وطامحة، ذات أجندات تعتمد الفوضى وإضعاف الدول لتنسلّ إلى مفاصل المجتمعات فتفتت وتقضم وتنقضّ على ما يتبقى، وبين قوى عالمية تضع مصالحها ومصالح أتباعها في المقام المقدس، ولا تكترث بشرعية راسخة ولا بصلات توثقت عبر عقود طويلة، أو جار متربص لا يكشف عن مجمل نواياه وغاياته، وبين قارة ضعفت وانكمشت مثل أوروبا، وقوى غرقت في وحل حروبها ومشكلاتها مثل روسيا، وبين الصين التي لم تنصر صديقاً ولا مظلوماً منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تنحسر الخيارات وتتراكم الحسابات. فهذه سنين عجاف، ما ظهر منها يزيد القادم غموضاً وريبة.
الأردن يعي ذلك وأكثر، ويدرك أن السير على الحبال ليس خياراً. ولا ينكر مطلقاً أنه أحد أقدم دول الشرق الأوسط وأكثرها خبرة بكل هذه المتغيرات التي توالت عليه مرحلةً تلو مرحلة، واجتازها بصلابة؛ فالضربة التي لا تكسر الظهر تقويه، وهذه قاعدة أساسية في أي مواجهة. نعم، تكالبت علينا خطوط التماس الملتهبة، وعاكست مسيرتنا قوى خارجية وداخلية تتناغم مع الخارجية، لكننا نعرفهم هناك ونبصرهم هنا. فهو إقليمياً ودولياً يدرك مساره وكيف يحيد غاياتهم وأطماعهم، وقادر على الرد بما يتسق مع حجم ما يمكن أن يتعرض له عبر الحدود القريبة أو في فضاءات الأمن القومي، ولو بعيداً.
لكن المسألة التي تقتضي وضوحاً وحزماً أكبر هي تلك القوى الداخلية التي ترفض أن تعي حجم الخطر، وتقدم نفسها درعاً حامياً ومنافحاً عن قوى خارجية، فتقدمها على الوطن وسلامته وأمنه. تصرّح بغير ما تضمر، وترفع الصوت في مكان نسمعها فيه، وتتحالف مع من يطمع ويسعى بكل قوة لزعزعة المستقر. فقد كشفت أكثر من حادثة وطنية اكتمال عدّتها جهراً وعياناً، وحين دُعوا من خارج الوطن إلى ما ليس وطنياً ملأوا الأرض زحاماً والسماء ضجيجاً. نعم نعرفهم، ولكن من الخطأ أن يبقى الصمت الاستراتيجي سيد الموقف؛ فقد تغيرت المعطيات، وآن أوان تعديل البوصلة لدى هذه الفئة ومن والاها، فالوحيد الذي لا يقبل القسمة على اثنين هو الوطن.
"الرأي"