إيران .. "يا رايح كثّر ملايح"
د. محمود الشغنوبي
01-03-2026 10:57 PM
في زمنٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على تقليل خصومها لا مضاعفتهم، تبدو إيران وكأنها اختارت الطريق المعاكس تمامًا. فبدل أن تُحسن إدارة معركتها وتُحاصرها في إطار محدد، وسّعت دائرة الاشتباك حتى باتت الخصومة عنوانًا ثابتًا لسياستها الخارجية، وكأنها ترى في تعدد الأعداء ضمانة لا مخاطرة.
الحرب الأخيرة لم تكن بحاجة إلى مزيد من الحرائق، لكنها جاءت لتكشف فلسفة قائمة على تصدير التوتر بدل احتوائه. خطاب تصعيدي، رسائل تحدٍ، واشتباكات سياسية مع أكثر من عاصمة في آنٍ واحد. وكأن المعركة لم تعد فقط مع خصم مباشر، بل مع بيئة إقليمية كاملة يُراد لها أن تبقى في حالة توجس دائم.
ثمة بعد أيديولوجي واضح في هذا السلوك؛ فالمواجهة في الوعي السياسي الإيراني ليست خيارًا ظرفيًا بل جزء من تعريف الذات. غير أن السياسة لا تُدار بالشعارات وحدها، ولا تُقاس بالتصفيق الداخلي فقط. فالدول تُبنى بحسابات الربح والخسارة، لا بمنطق التحدي المفتوح.
وكان يمكن لإيران – لو أحسنت قراءة المزاج العربي – أن تحصد مكاسب شعبية واسعة. فالشارع العربي، رغم خلافاته، يتعاطف مع كل من يرفع راية مواجهة الهيمنة أو الاحتلال. وكان بإمكان طهران أن تكرّس نفسها في المخيال الجماهيري بوصفها داعمًا لقضايا كبرى، لا لاعبًا يتدخل في شؤون الدول العربية أو يقترب من خطوط سيادتها الحساسة. لكن التدخلات، وتوسيع ساحات النفوذ داخل الجغرافيا العربية، حوّلت التعاطف إلى شك، والدعم إلى حذر، وأهدرت رصيدًا معنويًا كان يمكن أن يكون أثمن من أي مكسب ميداني.
السياسة ليست استعراض قوة دائم، بل فن اختيار المعارك. ومن يُكثر الخصومات في لحظة اشتباك مصيري، يغامر بأن يتحول من لاعبٍ مؤثر إلى محور إجماع ضده. فالإفراط في صناعة الأعداء قد يوحّد المختلفين، ويخلق تحالفات لم تكن مطروحة بالأمس.
وهنا تكمن الخسارة الكبرى: خسارة الصورة، وخسارة التعاطف، وخسارة القدرة على المناورة الأخلاقية أمام الشعوب. لأن الشعوب قد تصبر على خلافاتها، لكنها لا تغفر بسهولة من يقترب من أمنها أو يعبث باستقرارها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن تخوض دولة معركة، بل في أن تخوضها ضد الجميع. وليست الخطورة في رفع سقف الخطاب، بل في كسره فوق رأس صاحبه. من يذهب مثقلًا بالخصومات، لن يعود إلا أكثر عزلة. ومن يصرّ أن يُكثّر “الملايح” في زمن النار، قد يكتشف متأخرًا أن الطريق ضاق به، وأن الكلفة تجاوزت كل حساب.
هذه ليست خاتمة أزمة، بل بداية سؤال أكبر: هل آن أوان مراجعةٍ تعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على كسب الجوار لا استفزازه؟ أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة يصبح فيها الاشتباك الدائم قدرًا لا خيارًا؟.
هنا تبدأ الحكاية… لا تنتهي.
وسلامتكم.