المحور السني على رادار نتنياهو
د. زيد الفضيل
01-03-2026 08:43 PM
كانت لافتة إشارة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قبل أيام إلى بدء تشكل "محور سني متطرف" في إطار حديثه عن تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة المحاور الإسلامية المتشددة، والملفت للنظر هو توصيفه للمحور بكوني سني، وهو وصف طائفي أطلقه نتنياهو على جانب من الدول التي شكلت من قبل محور الاعتدال، في مقابل المحور الشيعي الذي عملت إسرائيل على محاربته خلال العقود الماضية.
هذا التحول في الرؤيا ليس مفاجئا لكل متابع حصيف، إذ هو ديدن إسرائيل ومن يدعمها من التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة وأوروبا، الذين يقيسون التشدد والاعتدال بمدى الخضوع لهيمنة إسرائيل والاستجابة لمطالبها، وغض النظر عن كل جرائمها الأخلاقية والإنسانية، والتي هي مستمرة حتى اليوم في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة الذي تعرض لأبشع إبادة إنسانية أدت إلى قتل أكثر من 72 ألف فلسطيني مدني، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمار 90% من البنية التحتية.
في كلمته أوضح نتنياهو أن إسرائيل تعمل على إنشاء "تحالف سداسي" يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمها، وأنه سيعمل على تطوير هذا التحالف خلال زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى تل أبيب، وحتما فلا يحتاج الأمر إلى فطنة كبيرة لندرك بأن التحالف السداسي المذكور يستهدف محاربة المحورين الشيعي والسني معا، وأن المقصود بالمحور السني المتشدد الآخذ بالتشكل وفق تصريح نتنياهو، هو المتكون من الباكستان والسعودية وتركيا، وبالتالي فنحن أمام تشكل محورين متعارضين، أحدهما محور إسلامي (سني وشيعي)، والآخر محور يشكل صبغته الرئيسة الهندوس واليهود، اللذان وضح حجم التعانق بينهما خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى إسرائيل، من واقع حجم الاحتفاء به، ومدى التماهي الكبير مع خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي.
إذن فالمنطقة اليوم أمام تحول استراتيجي مهم، وابتداء عصر جيوسياسي جديد، يتميز بالفرز الدقيق وفقا لطبيعة المصالح من جهة، ومواجهة مختلف التهديدات التي يجهر بها مسؤولو إسرائيل دون مواربة، والتي تستهدف تغيير طبيعة وواقع الخريطة السياسية لدول المشرق العربي تحديدا، وهو ما وضح في أحاديث نتنياهو وبن غفير وسموترش وغيرهم، وفي حديث السفير الأمريكي الإنجيلي في إسرائيل مايك هاكابي خلال مقابلته مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، والذي استدعى احتجاجا دبلوماسيا رسميا من قبل المملكة العربية السعودية على منطوق كلامه.
هكذا باتت النوايا السياسية مكشوفة، ووضح حجم الخلاف والاختلاف بين رؤية عربية تقودها دول الاعتدال بقيادة المملكة العربية السعودية، التي تؤمن بحق الشعب الفلسطيني في أن يكون له دولة مستقلة، وأن ذلك هو الطريق الأمثل لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؛ في مقابل رؤية إسرائيلية متشددة، تتبناها حكومة متهمة جنائيا بارتكاب أبشع الجرائم الإنسانية، لا ترى أي حقوق للشعب الفلسطيني، بل ولمختلف الشعوب العربية المجاورة، وتؤمن بإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد حدودها السياسية لتشمل مساحات جغرافية واسعة من المشرق العربي.
وبالتالي فنحن أمام صراع وجود، قبل أن يكون صراعا سياسيا على نقطة هنا، أو حد هناك؛ كما أننا أمام صراع بملامح دينية بدأ يتشكل في الأفق بين قومية يهودية هندوسية بدعم إنجيلي مسيحي واسع، وقومية إسلامية كانت في السابق محصورة في محور شيعي، وأضاف لها اليوم نتنياهو الطائفة السنية متمثلة في باكستان وتركيا والسعودية. مع التنبيه إلى أن إسرائيل لن تنسى الدور الذي قامت به القيادة السعودية بمشاركة فرنسية في حشد العالم بمؤتمر نيويورك للاعتراف بدولة فلسطين، وهو ما جعل السعودية على رأس قائمة المستهدفين إعلاميا من قبل الآلة السياسية الإسرائيلية، الأمر الذي يفسر وصف نتنياهو للتعاون الباكستاني السعودي التركي بهوية طائفية لا سياسية، ثم نعته بالمتشدد.
بقي أن أشير إلى حالة الفرز الاستراتيجية الكبيرة التي هي آخذة في التشكل، والتي يمكن أن تعيد تشكيل قائمة التحالفات الدولية في القرن الواحد والعشرين، إذ يضم التحالف الجديد الذي أعلن عنه نتنياهو كلا من: الهند واليونان وقبرص، علاوة على إسرائيل ودولة عربية لم يسمها، ولا شك فمقابل الهند باكستان، ومقابل اليونان وقبرص تركيا، ومقابل إسرائيل كل الدول العربية والإسلامية المؤمنة بالسلام العادل وفق المبادرة العربية للسلام الداعية إلى حل الدولتين.
"صحيفة مكة المكرمة"