facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل ستكون تركيا الهدف التالي؟


د. ذيب القراله
02-03-2026 01:20 PM

منذ ما قبل اندلاع الحرب الجارية ضد إيران، نوقشت في بعض مراكز الفِكر وصنع القرار، الاسرائيلية والغربية، أفكاراً تتجاوز الهدف المباشر للصراع مع طهران ومآلاته، لتطرح سؤالاً أكبر يتعلق بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وفي هذا السياق، برزت طروحات مفادها أن تركيا قد تكون “الهدف التالي” في حسابات كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما انتهت الحرب بإسقاط النظام في إيران وتفكيك نفوذها الإقليمي.

فمنذ سنوات، تضع إسرائيل أولويتها الاستراتيجية في مواجهة ما تسميه التهديد الإيراني، لكن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي تحدث فيها عن صراع مع محورين، الاول شيعي تقوده إيران، والثاني سُني يضم تركيا وبعض الدول العربية، تعكس توسيعاً لزاوية الرؤية الإسرائيلية، ومقدمة لاقامة الحلف الثالث الذي يضم اسرائيل والهند واليونان وقبرص ودول اخرى.

والسبب في ذلك مردًه ان أنقرة في عهد رجب طيب أردوغان، لم تعد مجرد دولة إقليمية ذات خلافات موسمية مع تل أبيب، بل تحولت إلى فاعل ينازعها في ملفات استراتيجية، من القضية الفلسطينية، إلى النفوذ في سوريا، وافريقيا، مروراً بشرق المتوسط وصناعة وتصدير السلاح.

وفي حال غياب إيران كقوة إقليمية موازية، ستصبح تركيا الدولة غير العربية الوحيدة التي تمتلك مزيجاً من عناصر القوة، التي تتمثل باقتصاد كبير، وجيش تقليدي قوي، وصناعة دفاعية متطورة، وطموح سياسي عابر للحدود، وهذا الواقع يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالاً تلقائياً إلى خيار المواجهة الشاملة.

وبحسب التحليلات الاستراتيجية الوازنة فان الحديث عن استهداف عسكري مباشر لتركيا يواجه عقبات كبيرة، اذ ان تركيا عضو في حلف الناتو وتمتلك ثاني اكبر جيش فيه، وأي مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا ستعني عملياً إدخال المنطقة في حالة غير مسبوقة من الفوضى، وقد تضع الولايات المتحدة أمام معضلة قانونية وسياسية داخل الناتو.

ومن المؤكد ان القدرات العسكرية التركية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، تجعل كلفة أي صدام مرتفعة، حيث أثبتت أنقرة في ساحات مثل سوريا وليبيا أنها قادرة على توظيف التكنولوجيا العسكرية بفعالية، لذلك يبدو خيار الحرب المباشرة ضعيف الاحتمال، إلا في حال انفجار مواجهة ( غير محسوبة ) في إحدى الساحات المتداخلة، كسوريا أو شرق المتوسط.

وبناء على هذه المعطيات، فان السيناريو الأكثر ترجيحا هو الدفع نحو تغيير داخلي في تركيا، سواء عبر إضعاف حزب العدالة والتنمية، أو إعادة تمكين المؤسسة العسكرية، أو صعود قوى سياسية أكثر انسجاماً مع الغرب وإسرائيل، وهذا الطرح يستند إلى تاريخ طويل من تدخل الجيش في السياسة التركية، وإلى وجود معارضة علمانية تنتقد سياسات أردوغان الإقليمية.

اخرون من واضعي الاستراتيجيات يرون ان الرهان على تغيير جذري في التوجهات الاستراتيجية لتركيا عبر تبديل الوجوه قد يكون مبالغاً فيه،ولذلك فان العامل الاقتصادي يبقى أداة أكثر واقعية للضغط، كون تركيا تعاني من أزمات تضخم وعجز وتقلبات في قيمة العملة، وتعتمد على الأسواق الغربية والاستثمارات الأجنبية، ويمكن للولايات المتحدة، عبر أدوات العقوبات أو القيود المالية، أن تمارس ضغطاً مؤلماً، على غرار ما حصل سابقا في أزمة قضية القس الأميركي اندرو برونسون عام 2018.

غير أن هذا المسار يحمل مخاطره أيضاً، فإضعاف الاقتصاد التركي قد يدفع أنقرة إلى مزيد من التقارب مع قوى غير غربية، أو إلى تبني سياسات أكثر استقلالية وعدائية، فضلاً عن أن تركيا تمثل شريكاً تجارياً مهماً لأوروبا، وأي انهيار اقتصادي كبير فيها ستكون له ارتدادات إقليمية واسعة، بما في ذلك ملف الهجرة.
وكنتيجة لهذه القراءة، فأن العلاقة التركية – الإسرائيلية ستتجه، بعد أي تحوّل جذري في إيران، إلى نمط من ( التنافس الحاد ) لا إلى حرب مفتوحة، فتركيا ليست دولة معزولة، بل قوة إقليمية ذات شبكة تحالفات اقليمية ودولية معقدة، وإسرائيل رغم تفوقها العسكري، تدرك أن فتح جبهة صراع مع أنقرة سيستنزفها سياسياً وعسكرياً.

والأرجح أننا سنشهد خلال الفترة القادمة، انماطاً من الحرب البطيئة متعددة الجبهات والادوات، التي تتمثل بالضغوط المتبادلة، وإعادة التموضع ومحاولات الاحتواء، وقد تسعى واشنطن إلى ( إخضاع ) السلوك التركي، فيما تراهن تل أبيب - مرحلياً - على إضعاف نفوذ أنقرة في سوريا وشرق المتوسط، بدل المجازفة بمواجهة مباشرة.

ان مستقبل تركيا بعد إيران، لن يُحسم فقط في تل أبيب أو واشنطن، بل في الداخل التركي نفسه، في قدرة الدولة على تحقيق استقرار اقتصادي، وإدارة تنوعها الداخلي، ومعالجة الملف الكردي الذي يمثل الخاصرة الرخوة لانقرة، وصياغة سياسة خارجية توازن بين الطموح والواقعية، أما فرضية أنها ستكون “الهدف التالي” بالمعنى العسكري المباشر، فانها تبقى أقرب إلى سيناريو استهداف وضغط وتطويق وحصار طويل الأمد، لا إلى حرب خاطفة تعيد رسم خرائط القوة والسيطرة والنفوذ.

هذا ما يقودنا اليه المنطق ومحددات البيئة الاستراتيجية الاقليمية والدولية، لكن التجارب التاريخية علمتنا أيضاً ان ( المفاجآت ) تكون في كثير من الاحيان هي سيدة الموقف، ولذلك فان سيناريو حدوث الحرب ضد تركيا، في مرحلة ما، يجب ان يبقى حاضرا في اذهان وتفكير وخطط واستراتيجيات كل من يعنيه الامر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :