ماذا لو تم اغلاق مضيق هرمز
د. محمود عبابنة
02-03-2026 01:40 PM
الاجواء المتوترة بين ايران العنيدة وأمريكا البعيدة ومؤشرات الاستعداد لجولة جديدة من الحرب عن بعد ( طائرات مقابل صواريخ بالستية) يعيد موضوع اغلاق مضيق هرمز الى الواجهة ، هذا المضيق الذي يعتبر من أهم المضائق المائية في العالم ، ويقع هذا الممر المائي الاستراتيجي بين سلطنة عمان وإيران، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وصولاً إلى بحر العرب ويبلغ عرضه 33 كيلو متر، وتكمن اهميته في انه الطريق الوحيد لشحن 19 مليون برميل من النفط العربي والإيراني الى العالم يومياً ، وقد تضاربت الانباء ابان الحرب الايرانية الاسرائيلية وعقب الضربة الامريكية للمفاعلات النووية في ايران عن احتمالية اغلاق هذا المضيق البحري الاستراتيجي .
تترتب على اغلاق هذا الممر نتائج خطيرة وكارثية فيما يتعلق باسعار النفط والغاز ، وهذا بدوره سينعكس على الاقتصاد العالمي مما يؤدي لتراجع الناتج المحلي والاجمالي ، اضافة الى التضخم الكبير الذي سيصل الى مستويات مرتفعة في الدول المستوردة ، ناهيك عن ارتفاع اقساط التامين البحري على البضائع وهياكل السفن وزيادة اجرة الشحن التي ستنعكس بدورها على اسعار السلع والبضائع ، وقد دفع ذلك بنوادي الحماية والتعويض (P&I Clubs) ، لمراجعة اقساط الاشتراك لاصحاب السفن كما دفع معهد لندن لاكتتاب التأمين وسوق الويدز للتأمين لوضع قائمة اسعار جديدة في اكتتابات التأمين على مخاطر الحرب ومن اهم هذه المخاطر : حصار واحتجاز السفن ، واستعمال الطوربيدات او القصف او الهجمات الصاروخية ، زرع الألغام في الطرق البحرية ، الهجمات الارهابية او هجمات المتمردين ، واستعمال الطائرات المسيرة او القوارب الصغيرة .
في سوق لندن للتأمين البحري كما هو الحال في اسواق التامين العالمية الاخرى يتم العمل بالشروط المعهدية A,B,C لتغطية المخاطر البحرية والحربية ، ولكن الشروط الحربية كانت موضوعا اختيارياً وفي اوقات السلم ولم يكن اصحاب السفن والمؤمّنون يلجأون اليها ويكتفون بالتامين ضد المخاطر البحرية العادية ، فيما اصبحت تغطية شروط الحرب في ضوء المستجدات الجديدة امراً ضرورياً واجبارياً يحرص عليه المصدرون والمستوردون ، وقد ارتفعت قائمة اسعار التأمين على اخطار الحرب بشكل متسارع ، ولنأخذ اقساط التأمين التي ارتفعت على شحنات البضائع في البحر الاسود فقد قفزت الى 400% غداة اندلاع الحرب بين روسيا واوكرانيا ، وارتفعت اسعار التأمين 300% على شحنات البضائع التي كانت تمر في البحر الاحمر في أيام الاشتباكات بين جماعات الحوثيين والولايات المتحدة الامريكية ، ومن المتوقع حسب نشرات اللويدز ان ترتفع تكاليف التأمين على المخاطر الحربية ( War Risk) بنسبة 60% على الأقل من قيمة السفن والبضائع ، وارتفاع اجور الشحن من 50% الى 150ً%.
اغلاق مضيق هرمز سيشكل اضطرابا هائلا لحركة الملاحة البحرية ، ويتضمن مخاطر كبيرة على الشحن الدولي واسواق الطاقة وصناعة التامين العالمية ، وستطال المصدرين والمستوردين والمستهلكين واصحاب الناقلات وشركات التأمين ، وللعلم فإن دول الخليج العربي وإيران التي تصدر الغاز والنفظ هم اول المتضررين ، ويلحق بهم بعض المستوردين لهذه المشتقات كاليابان والصين والهند وباقي الأسواق الاسيوية ، اما المستهلكون فسيتحملون ارتفاعاً صارخاً على اسعار برميل البترول الذي قد يقفز الى ما يزيد عن 120 دولارا للبرميل ، فيما قد تقفز اسعار الشحن الى 500% كما ان تحويل مسار الرحلات الى رأس الرجاء الصالح سيزيد من طول مده الرحلة البحرية الى اكثر من 20 يوماً ، ناهيك عن عدم سلامه الملاحة البحرية لمدة طويلة حتى لو تم فتح الممر المائي بسبب زرع وانتشار الالغام في الطرق البحرية والقادرة على اغراق السفن والناقلات ، كما حصل في بداية الثمانييات عندما تضررت اكثر من 400 ناقلة في منطقة شط العرب إبان الحرب الايرانية العراقية .
حسب توقعات سوق لندن للنقل البحري ، فمن المتوقع ان تنخفض شحنات النفط الى مابين 600-900 مليون برميل ، مما سيؤدى الى ارتفاع تكلفه الاستهلاك العالمي بمئات المليارات من الدولارت ، وهذا سيؤدي الى ارتفاع اسعار وقود التدفئة والتصنيع ، بالاضافة الى ارتفاع معدل التضخم عالمياً وستتضرر الدول المصدرة بالدرجة الاولى كما هو الحال للدول المستوردة.
امام كل ذلك ، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يدعو أمريكا البعيدة الاف الكيلو مترات لتحريك ارمادا الشر والعدوان ، لزعزعة الدول الإسلامية وأولها الدول العربية وهو هدف مخفيّ وغاية تتفق عليها الصهيونية وقوى الهيمنة الغربية، ولهذا وجدت إسرائيل القلعة المتقدمة ورأس الحربة التي ينطلقون منها، وفي كل حملة يشرعون بها لتحقيق هذه الغايات تتغير طرق وأساليب التخطيط والهجوم عبر أجيال متوالية ومتطورة من الحروب، وهي الشغل الشاغل لقوى الهيمنة الصهيونية والمخططين الاستراتيجيين الأميركيين، ونظرية المؤامرة بهذا الشأن ليست شماعة، وإن تكرر التمسك بها والتعليق عليها كلما داهمنا عجزنا وتخلفنا وقلة حيلتنا، فمن ينكر أن مصلحة إسرائيل والدول الداعمة والراعية لكيانها هي في إضعاف هذه الشعوب التي يصفونها بالشريرة (خطاب تاتشر في أميركا غداة الغزو الأميركي البريطاني للعراق).
ويكفي ان نشير الى ماقاله أحد أهم أساطين الفكر الغربي ومهندس تقسيم العالم العربي «برنارد لويس» حين قال: (الحل الوحيد للتعامل مع الشعوب العربية والمسلمة هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم، وتقسيم دولهم إلى وحدات عشائرية وطائفية، واستثمار التناقضات العرقية والقبلية لتحقيق غرض السيطرة عليهم).