facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سردية اختراع الصابون في بيريا


03-03-2026 11:49 PM

بقلم: المؤرخ المفكر د. احمد عويدي العبادي


"أهل السلط، / مملكة بيريا، اول من اخترع صناعة الصابون في العالم والتاريخ قبل الاف السنين"..

ان انكار تاريخنا كأول شعب اخترع صناعة الصابون هو نمط من التجني على الأردن وتاريخه وانجازه وابداعه وعبقرية اهله عبر التاريخ الى يومنا هذا
إنّ الحديث عن بيريا/السلط بوصفها مهدًا مبكرًا لصناعة الصابون في التاريخ الإنساني لا ينبغي أن يُقدَّم كخبرٍ عابر، ولا كحكايةٍ محلية تُروى بدافع الاعتزاز فحسب، بل كأطروحة حضارية تحتاج إلى عرضٍ متماسك، يربط بين الجغرافيا والاقتصاد والتقنية وحركة التجارة القديمة وعبقرية الانسان الأردني في بيريا وعاصمتها السلط المحروسة. فالمسألة ليست مجرد صناعة تقليدية، بل نموذجٌ على كيفية تحوّل الحاجة البيئية إلى ابتكارٍ عبقري تقني، ثم إلى سلعةٍ تجارية، ثم إلى معرفةٍ تنتقل بين الحضارات.

تقع السلط – التي تُعرف مملكتها في السرديات القديمة باسم بيريا – في نقطة تماسٍّ فريدة بين المرتفعات الزراعية الخصبة والأغوار الحارة المتصلة بالبحر الميت. هذا الموقع لم يكن متميزا جغرافيًا فحسب، بل كان اقتصاديًا واستراتيجيًا؛ إذ جمع بين زيت الزيتون في الجبال، وأملاح الصودا والمعادن في الأغوار، والقار (البيتومين) الذي كان يطفو على سطح البحر الميت ويُستخرج ويُصدَّر إلى الخارج.

وهنا تتبدّى أولى حلقات السلسلة المنطقية: استخراج القار والتجارة به خلقا مشكلة عملية، لأن القار السائل او المائع يلتصق بالأجسام والملابس، ولا يزول بالماء وحده. ومن هذه الحاجة الملحّة نشأت فكرة البحث عن مادة قادرة على تحليل الدهون الثقيلة وإزالتها وتنظيف الاجسام والملابس.

إنّ البيئة الأردنية قدّمت العناصر الأربعة الأساسية للتصبّن الطبيعي: زيت نباتي (زيت الزيتون)، مادة قلوية (أملاح الصودا المستخرجة من رماد النباتات الملحية ومن معادن المنطقة)، حرارة مستمرة (حرارة الأغوار)، وماء غني بالأملاح والمعادن.

هذه العناصر مجتمعة تمثل شروط التفاعل الكيميائي الذي ينتج عنه الصابون. ومن هنا لا يعود الحديث عن “سبقٍ زمني” مجرد ادعاء، بل يصبح نتيجة منطقية لتكامل بيئي نادر لم يتوافر بهذه الصورة في مناطق كثيرة أخرى. وانه اول ما توفي في التاريخ في مملكة بيريا الاردنية .

وقد تطوّر هذا الاكتشاف في سياقٍ مشترك بين بيريا ومملكة مؤاب الأردنية المجاورة، بحكم تشابه الظروف الطبيعية ووحدة المجال الاقتصادي في شرقي البحر الميت. وتشير الروايات المحلية إلى أن منطقة الرأس الشمالي الشرقي للبحر الميت شكّلت قاعدة تصنيع وتصدير، مستفيدة من الطرق البرية الممتدة عبر بادية الأردن نحو الرافدين، ومن المسارات المؤدية غربًا نحو وادي النيل وسواحل المتوسط. وهنا تبرز صورة الميناء الطبيعي الصغير في بيريا على البحر الميت الذي كان نقطة تجميع للمواد الخام ومركزًا لعمليات الغلي والتجفيف والتخزين قبل التصدير.

أما من حيث التقنية، فإن صناعة الصابون الأردني التقليدي قامت على غلي زيت الزيتون في قدور ضخمة – غالبًا من النحاس – ثم إضافة الصودا القلوية وماء الأعشاب الطبية والعطرية مثل البابونج والميرمية والشيح والقيصوم والبعيثران وورق الغار، وأحيانًا زيت السمسم. ومع الزمن أضيف طين البحر الميت وماؤه لما لهما من خصائص علاجية.

كانت العملية تستمر أيامًا على نار هادئة مع التحريك المتواصل حتى يكتمل التفاعل، ثم تُصب المادة في قوالب خشبية، وتُترك لتجف تحت الشمس، قبل أن تُقطّع وتُرتّب في أماكن جيدة التهوية أو في أفران تقليدية لتسريع التجفيف. إن حرارة الأغوار المستمرة شكّلت عنصرًا حاسمًا في نجاح هذه الصناعة واستقرارها.

وعند الانتقال إلى المقارنة الحضارية، نجد أن حضارات بلاد الرافدين قدّمت نصوصًا مبكرة تصف خلط الدهون برماد الخشب والماء، كما عُثر على أوانٍ طينية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد تشير إلى وصفات تنظيف.

وكذلك تكشف بردية إيبرس في مصر عن وصفات تجمع الزيوت بالأملاح القلوية لأغراض علاجية وغسلية / للتنظيف. غير أن هذه الشواهد، على أهميتها، لا تنفي احتمال انتقال التقنية عبر التجارة، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار الموقع الوسيط للأردن بين وادي النيل وبلاد الرافدين، وشبكة القوافل العابرة للبادية.

أما الرواية الرومانية التي تربط اكتشاف الصابون بأسطورة تلّ سابو هيل قرب نهر التيبر، فهي رواية ذات طابع أسطوري لا تقوم على دليل أثري مباشر. كما أن بقايا المنشآت الصناعية المكتشفة في بومباي تشير إلى معرفة رومانية متأخرة نسبيًا بالصناعة، لا إلى أصلها الأول. ومن المعروف تاريخيًا أن استعمال الصابون في روما بدأ طبيًا قبل أن يتحول إلى أداة للنظافة الشخصية في مراحل لاحقة.

ومن بيريا انتقلت تقاليد صنع الصابون النباتي الى غرب نهر الأردن، مع الجماعات الكنعانية واليبوسية، حتى استقرّت الصناعة في نابلس التي اشتهرت بالصابون المعتمد على زيت الزيتون، واستمر إنتاجه حتى العصر الحديث. وهذا الامتداد الجغرافي لا يعني انقطاعًا، بل تطورًا في مركز الصناعة تبعًا للتحولات السياسية والديموغرافية.

إنّ هذا الطرح يقتضي أمرين: أولًا، التمييز بين السبق في الاكتشاف والسبق في التوثيق؛ فالتوثيق الأثري الذي وصلنا من بابل ومصر لا يعني بالضرورة أن الاكتشاف بدأ هناك، بل قد يعكس فقط ما حُفظ من النصوص. لان التاريخ لمن يكتبه لا لمن يصنعه.

وثانيًا، إدراك أن انتقال المعرفة في العصور القديمة كان يتم عبر التجارة والحرفيين المتنقلين، لا عبر حدودٍ قومية بالمعنى الحديث. وبالتالي فإن القول بأن بيريا/السلط كانت بيئةً مبكرة لتطوير صناعة الصابون يقوم على منطق بيئي–اقتصادي–تجاري متكامل، لا على مجرد اعتزاز محلي.

إن إنكار الدور الأردني في هذا السياق يندرج ضمن إشكالية أوسع تتعلق بتمركز السرد التاريخي حول القوى الإمبراطورية اللاحقة، وتهميش المراكز الأقدم التي مهّدت الطريق. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ البيئي والتجاري للمنطقة تُظهر أن الأردن، بحكم موقعه وموارده، لم يكن هامشًا، بل كان جسرًا ومختبرًا حضاريًا مبكرًا.

وهكذا يغدو الصابون – في دلالته الرمزية – شاهدًا على قدرة الإنسان الأردني وعبقريته عبر العصور على تحويل التحدي البيئي إلى ابتكار، والموارد الطبيعية إلى صناعة، والصناعة إلى أثرٍ ممتد في تاريخ الحضارة الإنسانية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :