facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن وإسرائيل بعد ثلاثة عقود من السلام


سمير حمدان - بودابست
05-03-2026 02:18 AM

"استقرار الأردن في الحسابات الإسرائيلية: من مسلّمة استراتيجية إلى سؤال مفتوح"..

قبل ثلاثة عقود قامت معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل على افتراض استراتيجي واضح، أن استقرار الأردن يمثل مصلحة أمنية إسرائيلية ثابتة، لكن التحولات السياسية داخل إسرائيل اليوم تطرح سؤالًا لم يكن مطروحًا في التسعينيات، هل ما زالت هذه الفرضية قائمة ؟.

في الشرق الأوسط لا تُختبر الاتفاقيات عندما تُوقَّع بل عندما تتغير البيئة التي جعلتها ممكنة، وهذه الحقيقة تنطبق بوضوح على معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994، فالسلام لم يكن مجرد إنهاء رسمي لحالة حرب بين دولتين متجاورتين بقدر ما كان محاولة لتثبيت واقع سياسي وجغرافي في منطقة اعتادت أن تتغير فيها الخرائط أكثر مما تتغير الحكومات، بالنسبة للأردن كان الاتفاق في جوهره خطوة لحماية الدولة نفسها، وتأكيد أن المملكة دولة ذات حدود واضحة لا يمكن إعادة تعريفها أو تحويلها إلى حل ديموغرافي للصراع الفلسطيني .

لهذا السبب كان ترسيم الحدود أحد أهم عناصر الاتفاق، فالحدود في الشرق الأوسط ليست مجرد خطوط على الخرائط بل تعريف للسيادة والهوية السياسية للدولة، وعندما رُسمت الحدود بين الأردن وإسرائيل بشكل واضح ومعترف به دوليًا كان ذلك بالنسبة لعمان خطوة لإغلاق الباب أمام فكرة ظهرت في بعض النقاشات الإسرائيلية منذ عقود، فكرة أن الأردن يمكن أن يكون الوطن البديل للفلسطينيين .

لكن القرار الأردني في تلك اللحظة لم يقم فقط على النصوص القانونية، بل على قراءة لطبيعة الدولة الإسرائيلية نفسها، ففي تسعينيات القرن الماضي كان الاعتقاد السائد لدى كثير من صانعي القرار في المنطقة أن إسرائيل تُدار في قضاياها الاستراتيجية الكبرى عبر منظومة مؤسسات أمنية وعسكرية تمتلك رؤية بعيدة المدى تتجاوز تبدل الحكومات، هذه المنظومة كانت تدرك أن استقرار الأردن ليس مجرد مصلحة أردنية بل عنصر مهم في الحسابات الأمنية الإسرائيلية .

فالأردن بحكم موقعه الجغرافي شرق نهر الأردن يشكل العمق الاستراتيجي للحدود الشرقية لإسرائيل، ووجود دولة مستقرة في هذا الموقع يعني حدودًا هادئة وحاجزًا جيوسياسيًا يمنع انتقال الاضطرابات من الشرق إلى قلب المنطقة، ومن هنا نشأت معادلة غير مكتوبة مفادها أن الأردن يحافظ على الاستقرار في محيطه بينما ترى إسرائيل في بقاء الأردن دولة مستقرة عنصرًا يخدم أمنها الإقليمي .

هذا الفهم لم يكن مجرد تقدير سياسي بل ظهر بوضوح في كثير من الدراسات التي تناولت العلاقة بين البلدين، فالأبحاث التي كتبها باحثون في العلاقات الدولية مثل كورتيس رايان وآفي شلايم وآشر سوسر تشير إلى أن العلاقة بين الأردن وإسرائيل كانت تقوم لفترة طويلة على إدراك متبادل بأن انهيار التوازن شرق الأردن قد يفتح الباب أمام حالة عدم استقرار إقليمي يصعب التحكم بها، وحتى قبل توقيع معاهدة السلام كانت هناك قنوات اتصال غير معلنة بين الطرفين تعكس هذا الإدراك المشترك .

لهذا لم يكن السلام بالنسبة للأردن مجرد إنهاء للصراع بل ترتيبًا سياسيًا وأمنيًا يضمن استمرار هذا التوازن، فالدولة الأردنية المحدودة الموارد والمحاطة بأزمات إقليمية كانت بحاجة إلى تقليل مصادر التهديد المباشر على حدودها، بينما كانت إسرائيل ترى أن شرقها المستقر أفضل بكثير من شرق مضطرب أو مجهول .

لكن الاتفاقيات في السياسة الدولية لا تعيش فقط بنصوصها القانونية بل بالتصورات التي تقف خلفها، وما بُني على فهم معين لطبيعة الدولة قد يفقد وضوحه عندما تتغير تلك الدولة أو تتغير البيئة السياسية التي تعمل فيها .

خلال العقدين الأخيرين شهدت إسرائيل تحولات سياسية وفكرية عميقة، فصعود التيارات القومية والدينية داخل الحياة السياسية الإسرائيلية غيّر طبيعة النقاش الداخلي حول الحدود ومستقبل الأراضي الفلسطينية، وفي هذا السياق عادت إلى الواجهة أفكار كانت تُعد في الماضي هامشية من بينها الطروحات التي تربط حل القضية الفلسطينية بالجغرافيا الأردنية بطريقة أو بأخرى .

المشكلة اليوم ليست في نص معاهدة السلام نفسها بل في أن البيئة الاستراتيجية التي جعلتها ممكنة لم تعد كما كانت، فالتوازن الذي قام على قناعة بأن استقرار الأردن يمثل مصلحة إسرائيلية ثابتة يواجه اليوم اختبارًا سياسيًا لم يكن مطروحًا قبل ثلاثة عقود .

وهنا يظهر السؤال الحقيقي، ماذا يحدث إذا تغيرت الفرضية التي قامت عليها هذه المعادلة .

الإجابة الواقعية لا تبدأ في النصوص الدبلوماسية بل في قوة الدولة نفسها، فالدول لا تحمي نفسها بالاتفاقيات وحدها بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز اقتصادها ومؤسساتها السياسية، ففي الشرق الأوسط غالبًا ما تبدأ الضغوط الخارجية عندما تضعف الجبهة الداخلية .

لكن المسألة لا تتعلق بالداخل فقط، فالدولة التي تعيش في منطقة مضطربة تحتاج دائمًا إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية وعدم الاعتماد على فرضية سياسية واحدة مهما بدت مستقرة، فالسياسة الذكية ليست تلك التي تفترض أن المعادلة ستبقى كما هي بل تلك التي تستعد لاحتمال تغيرها .

ومن هنا فإن مستقبل الاستقرار في شرق الأردن لن يتحدد فقط بما تقوله الاتفاقيات بل بقدرة الدولة الأردنية على تعزيز تماسكها الداخلي وبناء شبكة توازنات إقليمية ودولية تجعل من استقرارها مصلحة مشتركة يصعب تجاهلها .

استقرار الأردن كان يومًا ما يُنظر إليه في إسرائيل كحقيقة استراتيجية لا تحتاج إلى نقاش، أما اليوم فقد أصبح هذا الاستقرار نفسه موضوعًا للنقاش في بعض الخطابات السياسية، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، ما كان في الماضي مسلّمة استراتيجية أصبح اليوم سؤالًا مفتوحًا، وفي الشرق الأوسط لا تكمن خطورة الأسئلة الجديدة في أنها تُطرح فقط بل في أنها قد تعيد رسم المعادلات التي بُني عليها الاستقرار في المنطقة لعقود .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :