من أين جاءت كلمة البلقاء وما معناها؟
قراءة تاريخية ولغوية في أحد أقدم الأسماء الجغرافية في الأردن //
تقع مدينة السلط اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، على سلسلة من التلال الوعرة التي شكّلت عبر التاريخ إطارها الجغرافي الطبيعي. وقد اتسعت المدينة في العقود الأخيرة نحو الغرب والشرق والشمال الشرقي، حتى أصبحت مركزًا حضريًا واسعًا في قلب الأردن. وإداريًا تُعد السلط مركز محافظة البلقاء، وتضم في نطاقها لواء القصبة الذي يشمل بلديتين رئيسيتين هما بلدية السلط الكبرى وبلدية العارضة الجديدة (عارضة عباد)، كما يتبع له ثلاثة أقضية هي: عيرا ويرقا، والعارضة، وزي.
وتبعد السلط عن العاصمة عمّان قرابة ثلاثين كيلومترًا إلى الغرب، ويحدها من الشمال لواء عين الباشا، ومن الغرب لواء دير علا، ومن الجنوب لواء الشونة الجنوبية، ومن الشرق لواء ماحص والفحيص.
غير أن أهمية السلط لا تنحصر في موقعها الإداري المعاصر، بل تمتد إلى عمق تاريخي طويل جعلها منذ أقدم الأزمنة مركزًا لمنطقة البلقاء، وهو الاسم الذي ظل ملازمًا لها عبر العصور، حتى أصبح جزءًا من هوية المكان وثقافته وتركيبته العشائرية والذاكرة التاريخية للأردن.
والحديث عن البلقاء ليس مجرد حديث عن تسمية جغرافية، بل هو حديث عن مفهوم تاريخي وسياسي واجتماعي تشكّل في سياق التحالفات التي قامت بين الممالك الأردنية القديمة. فقد ارتبط هذا الاسم – في الوعي التاريخي – بجملة من المعاني التي عبّرت عن روح التوافق والتضامن بين تلك الممالك، ومن أبرزها: الوفاق والاتفاق، والحزم والعزم، والأمن والأمان، والوئام والتراحم والتوادّ بين الشعوب والقبائل. وهذه الدلالات لم تكن مجرد معانٍ لغوية، بل كانت تعبيرًا عن فلسفة سياسية واجتماعية سعت الممالك الأردنية القديمة إلى ترسيخها في مواجهة الأخطار الخارجية.
وتعيد الرواية التاريخية الأردنية أصل هذه التسمية إلى زمن الملك المؤابي بولاق بن صفور (1300 سنة قبل الميلاد / تقريبا)، الذي عُرف في الروايات العربية بوصفه قائدًا عسكريًا قويًا خاض معارك ضارية ضد بني إسرائيل دفاعًا عن أرض مؤاب. وقد ارتبط اسمه بشبكة واسعة من التحالفات الإقليمية، إذ كان حليفًا لملك أدوم الأردني حدد بن بدد، كما كانت له علاقات سياسية مع مصر في عهد الفرعون رمسيس الثاني وابنه مرنبتاح. كذلك كان ضمن منظومة التحالفات التي ضمّت ملوك عمون وبيريا وباشان وإمارة بلعام.
وقد جاء دور الملك بولاق في سياق مرحلة تاريخية حساسة أعقبت خروج بني إسرائيل من التيه، حين حاولوا التقدم نحو شرق الأردن في طريقهم نحو بلاد كنعان التي أطلقوا عليها اسم «أرض الميعاد». وفي تلك المرحلة خاض المؤابيون – بقيادة الملك بولاق – معارك عنيفة دفاعًا عن أرضهم، وقد شاركت في تلك المواجهات قوات من الممالك الأردنية الأخرى دعمًا لمؤاب وحماية للمنطقة بأسرها. وجئنا عليها مفصلة في كتابنا (المملكة الأردنية المؤابية)
وتشير الروايات إلى أن هذه المواجهات انتهت بطرد بني إسرائيل من الأراضي الأردنية جميعها إلى غرب نهر الأردن، بعد سلسلة من المعارك التي قادها الملك بولاق ومعه قائد جيشه المسمى عجلون، بدعم عسكري من الممالك الأردنية المتحالفة.
وكان الملك بولاق – بحسب الروايات – شديد الارتباط بأرض الأردن، وخاصة بالمناطق التي تجمع بين خصوبة الأرض وغنى المياه، مثل منطقة مياه الخرّار في غور الأردن، وكذلك مياه ماعين المعدنية. وقد عُرف عنه تعلقه الشديد بالهضاب الممتدة بين مؤاب وبيريا، وهي المناطق التي أصبحت لاحقًا قلب منطقة البلقاء.
وفي تلك المرحلة التاريخية أُطلق اسم البلقاء على نطاق جغرافي واسع للغاية، إذ امتد – وفق الروايات التاريخية – من جنوب العُلا في شمال الجزيرة العربية وساحل البحر الأحمر عند ينبع، مرورًا بهضاب شرق الأردن، وصولًا إلى هضبة الجولان وجبل الشيخ في الشمال. وكانت هذه الأراضي قبل ذلك موزعة بين عدد من الممالك الأردنية القديمة، مثل مملكة أدوم ومملكة مؤاب ومملكة عمون ومملكة بيريا ومملكة باشان وإمارة بلعام.
وبعد إطلاق اسم البلقاء على هذا الإقليم الواسع ظل الاسم مستخدمًا في العصور اللاحقة، سواء في الجاهلية أو في صدر الإسلام أو في العصور الوسطى، غير أن حدوده الجغرافية كانت تتغير عبر الزمن، فتتوسع أحيانًا وتضيق أحيانًا أخرى تبعًا للتحولات السياسية والإدارية.
ومع مرور القرون انحصر مدلول الاسم جغرافيًا في المنطقة الواقعة بين نهر الموجب جنوبًا ونهر الزرقاء شمالًا، بعد أن استعادت الكرك نطاقها التاريخي. ومع ذلك بقيت السلط مرتبطة باسم البلقاء ارتباطًا وثيقًا باعتبارها مركز هذه المنطقة.
وتذكر الروايات أن تسمية البلقاء ارتبطت بحدث سياسي كبير أعقب انتصار الملك بولاق وحلفائه على بني اسرائيل. فبعد هذا الانتصار اجتمع ملوك الممالك الأردنية في الكرك للاحتفال بالنصر، وقد أقيمت الاحتفالات في موضع يُعرف بـ ثنية الكرك، وهو موقع واسع كان ملائمًا لاجتماع الجيوش والقبائل الأردنية وخيولهم.
غير أن تلك الاحتفالات تحولت إلى ما يشبه المؤتمر السياسي الذي جمع ملوك الأردن في ذلك الزمن، حيث ناقشوا مستقبل المنطقة وسبل حماية الممالك الأردنية من الأخطار القادمة. وكان من أبرز ما توصلوا إليه إدراكهم أن مملكة بيريا، بحكم موقعها الجغرافي على طرق التجارة وفي قلب المنطقة، ستكون الهدف الأول لأي هجوم خارجي.
ولهذا اتفق الملوك على دعم بيريا بطريقتين متكاملتين.
الأولى دعم عسكري مباشر يتمثل في إرسال قوات من مختلف الممالك الأردنية للمرابطة في أراضيها ومنع أي اعتداء محتمل.
أما الثانية فهي دعم معنوي وسياسي يتمثل في توحيد الممالك تحت اسم جامع يمنحها قوة وهيبة سياسية.
ومن هنا جاء اختيار اسم البلقاء عنوانًا رمزيًا لهذا التحالف السياسي القبلي، تكريمًا للملك بولاق من جهة، وتأكيدًا لوحدة الصف الأردني من جهة أخرى.
وبذلك لم يعد اسم البلقاء مجرد تسمية جغرافية للأرض، بل أصبح اسمًا للتحالف السياسي والاجتماعي بين الممالك الأردنية. وقد حمل هذا الاسم معاني الهيبة والقوة والحماية، وخاصة فيما يتعلق بمملكة بيريا التي كانت أكثر الممالك عرضة للهجمات الخارجية.
وفي هذا السياق تبلورت فكرة أن يكون اسم البلقاء وديعة تاريخية في السلط، منذ نحو 1300 قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، بوصفها مركز بيريا وملاذها الآمن. وقد تقرّر – في الوعي السياسي للممالك الأردنية آنذاك – أن ينبع هذا الاسم من السلط وأن يعود إليها، حتى لو تغيّرت الظروف السياسية أو تبدّلت الحدود بين الممالك عبر العصور.
ومن هنا نشأ ارتباط عضوي بين السلط والبلقاء، حتى غدا الاسمان في الوعي التاريخي والاجتماعي متلازمين لا يكاد أحدهما يُذكر دون الآخر؛ فالسلط تعني البلقاء، والبلقاء تعني السلط، وكلاهما أصبح رمزًا لمعاني الوئام والوفاق والاتحاد بين القبائل والممالك الأردنية.
وقد ظل هذا الارتباط راسخًا عبر القرون، حتى أصبح اسم البلقاء جزءًا أصيلًا من هوية السلط التاريخية. فحافظ أهل السلط على هذا الاسم بوصفه وديعة تاريخية وإرثًا وطنيًا يعبّر عن مكانة مدينتهم في تاريخ الأردن ودورها في حفظ تماسكه الاجتماعي والسياسي.
ولم يكن ذلك مجرد احتفاظ باسم جغرافي، بل كان حفاظًا على رمزية تاريخية تمثّل روح التضامن والوحدة التي ميّزت المجتمع الأردني عبر العصور، فبقيت السلط حاضنةً لاسم البلقاء، وبقي اسم البلقاء شاهدًا على مكانة السلط وأهلها في تاريخ الأردن وهويته وشرعيته ووطنيته
ومع تعاقب الأزمنة وتبدّل المراحل التاريخية، لم يعد اسم البلقاء مقتصرًا على دلالته الجغرافية بوصفه اسمًا لإقليم من أقاليم الأردن، بل أخذ معناه يتسع في الوعي الاجتماعي والثقافة المحلية ليشمل أبعادًا أوسع وأعمق. فقد غدا الاسم يُستعمل للدلالة على التحالفات العشائرية وروابط التضامن بين القبائل، كما ارتبط بأشكال من التنظيم الإداري والسياسي التي نشأت في المنطقة عبر العصور.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد استعمال المصطلح في اللغة الاجتماعية اليومية ليعبّر عن الصفات الحميدة في الأشخاص من مثل الوفاق والنجدة والوفاء، وأصبح يطلق أحيانًا على ما يمتاز بالحسن والطيب من الأرض والطعام والعشائر، في إشارة رمزية إلى ما ارتبط باسم البلقاء من معاني الخير والكرم والتآلف. وهكذا تحوّل الاسم عبر الزمن من مجرد تسمية لموضع جغرافي إلى مفهوم ثقافي واجتماعي واسع يعكس روح الانسجام والوحدة التي ميّزت مجتمع المنطقة عبر التاريخ
ومن الناحية اللغوية، فإن كلمة البلقاء تُردّ في العربية إلى الجذر (ب ل ق)، وهو جذر يدل في أصله على اختلاط الألوان وتنوّعها أو اجتماع لونين أو أكثر في الشيء الواحد. ومن ذلك قول العرب «فرس أبلق» إذا كان فيه سواد وبياض أو لونان متداخلان في هيئته. وقد استخدم العرب هذا الجذر كذلك في وصف الأراضي التي تتعدد ألوان تربتها وصخورها، فيُقال للأرض التي تتباين ألوانها وتختلط طبقاتها إنها أرض بلقاء.
وهذا المعنى اللغوي ينسجم انسجامًا واضحًا مع الطبيعة الجغرافية لهضاب وسط الأردن، حيث تتجاور في المشهد الواحد الصخور الكلسية البيضاء مع الترب الحمراء والصفراء، وتتداخل ألوان الجبال والهضاب والوديان في صورة طبيعية متنوّعة. ولذلك يبدو أن التسمية لم تكن اعتباطية، بل جاءت من ملاحظة العرب القدماء لطبيعة الأرض وألوانها المتعددة، فعبّروا عنها باسم يصف هذا التباين اللوني الواضح.
غير أن اسم البلقاء لا يقتصر على هذه الدلالة اللغوية والجغرافية فحسب، بل يحمل أيضًا دلالة تاريخية وسياسية ارتبطت بالأحداث الكبرى في تاريخ الممالك الأردنية القديمة. فوفق الروايات التاريخية الأردنية، جاء هذا الاسم في سياق اتفاق ملوك الأردن القدماء بعد انتصارهم في الحروب الدفاعية عن أرضهم،
حيث اجتمعوا وقرّروا إطلاق اسم البلقاء عنوانًا للتحالف والوحدة بينهم، تكريمًا للملك المحارب بولاق بن صفور ملك مؤاب الذي قاد المواجهة في تلك المرحلة التاريخية. وبذلك أصبح الاسم رمزًا للوفاق والاتحاد بين الممالك الأردنية، كما غدا تعبيرًا عن روح التضامن التي جمعت تلك الممالك في مواجهة الأخطار الخارجية.
ومن هنا يجمع اسم البلقاء بين ثلاث دلالات متكاملة كما قلنا أعلاه:
دلالة لغوية تصف تنوّع ألوان الأرض، ودلالة جغرافية تشير إلى الإقليم المعروف في وسط الأردن، ودلالة تاريخية وسياسية تعبر عن حالة التوافق والتحالف بين الممالك والقبائل. وترتبط باتفاق الملوك الأردنيين القدماء وتكريمهم للملك بولاق بن صفور، وهو ما منح الاسم بُعدًا رمزيًا يعكس روح الوحدة والتحالف في التاريخ الأردني القديم.
وقد استمر استعمال اسم البلقاء في المصادر العربية والإسلامية عبر العصور اللاحقة، حيث أورده الجغرافيون والمؤرخون بوصفه اسمًا لإقليم واسع من أقاليم بلاد الشام. فقد ذكره عدد من أصحاب كتب البلدان والجغرافيا عند حديثهم عن نواحي الأردن، وعدّوه من الأقاليم المعروفة التي تضم عددًا من القرى والمدن والسهول والهضاب.
وبذلك ظل الاسم حاضرًا في الكتابات التاريخية والجغرافية، متداولًا في الوعي العربي والإسلامي جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلى العصر الحديث دون أن يفقد حضوره أو دلالته. وفي هذا الامتداد التاريخي بقيت السلط مركزًا لمنطقة البلقاء وحاضنةً لاسمها، محافظةً عليه بوصفه جزءًا أصيلًا من هويتها التاريخية ودورها في تاريخ الأردن.
وعلى هذا الأساس فإن البلقاء ليست مجرد تسمية جغرافية عابرة ظهرت في مرحلة من مراحل التاريخ ثم اندثرت، بل هي اسم يحمل في داخله طبقات متعددة من المعاني التاريخية واللغوية والحضارية. فهو من جهة وصفٌ لطبيعة الأرض بتنوّع ألوانها وطبقاتها، ومن جهة أخرى عنوانٌ لتحالف سياسي قديم ارتبط باتفاق الممالك الأردنية وتكريم الملك المحارب بولاق بن صفور، كما يمثل في الوقت نفسه رمزًا للاستمرارية التاريخية التي حافظت عليها المنطقة عبر العصور.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى اسم البلقاء بوصفه جزءًا من السردية التاريخية الأردنية التي تكشف عن عمق الجذور الحضارية للأردن واهل وهويته وشرعيته، وعن الدور الذي لعبته قبائله ومدنه وممالكه القديمة في تشكيل تاريخ المنطقة وهويتها عبر آلاف السنين.
فالأسماء الجغرافية ليست مجرد ألفاظ تطلق على الأماكن، بل هي شواهد حيّة تختزن في حروفها ذاكرة الأردنيين وتجاربهم التاريخية، وتحفظ في طياتها آثار التحالفات والصراعات والتحولات التي مرّت بها القبائل الأردنية عبر الزمن. ومن هنا يغدو اسم البلقاء عنوانا وشاهدًا على امتداد التاريخ الأردني وعلى استمرارية حضوره في الجغرافيا والذاكرة معًا.