سردية المدرقة الأردنية عبر التاريخ
08-03-2026 09:57 PM
بقلم: المؤرخ المفكر د. احمد عويدي العبادي ( ابو د البشر , والطبيب د نمي )
"نبعت من الكرك (قبل 14000 سنة ) ثم انتشرت بالاردن وبلاد ثمود "
مقدمة : تقوم سردية المدرقة الأردنية على ثنائية إنسانية عميقة تجمع بين الحب والحرب في آنٍ واحد؛ فالحرب في هذا التصور ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلة لحماية القيم التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها الحب والكرامة وصيانة الإنسان. فحين يُعتدى على هذه القيم تتحول القوة إلى واجب، وتصبح الحرب أداة للدفاع عن الحياة الكريمة، بينما يبقى الحب هو الغاية العليا التي تسعى القوة إلى حمايتها. ومن هنا فإن الحرب تحمي الحب، والحب ينهي الحرب؛ إذ إن القوة إذا انفصلت عن الأخلاق تحولت إلى عدوان، أما إذا ارتبطت بالحب والكرامة فإنها تصبح قوة حامية للحياة.
وتتجسد هذه الفلسفة في رمزية المدرقة في الثقافة الأردنية؛ فهي تحمل دلالتين متكاملتين: دلالة حربية تتمثل في معنى المدرقة المرتبط بالفروسية والقوة والدفاع، ودلالة أخلاقية تتمثل في معنى الخَلَقَة، أي الأخلاق والستر والاحتشام والقيم التي تضبط السلوك الإنساني. وهكذا تلتقي القوة بالأخلاق في رمزٍ واحد، فتكون المدرقة في بعدها الحربي أداة حماية، وفي بعدها الأخلاقي تعبيرًا عن منظومة القيم التي تقوم على الحب والحياء وصيانة الكرامة.
ومن هذا التلاقي بين المدرقة بوصفها رمز القوة والخَلَقَة بوصفها رمز الأخلاق تنشأ رؤية حضارية متكاملة في الثقافة الأردنية، حيث تتوازن القوة مع الرحمة، وتلتقي الفروسية مع القيم، ليبقى الحب هو الجوهر الذي تُسخَّر له القوة وتُضبط به الحرب. ومن هنا تبدأ قراءة أعمق لمعنى الحب في هذه السردية الحضارية، بوصفه قيمة إنسانية عليا تُعيد توجيه القوة نحو حماية الإنسان وبناء المجتمع.
حين يُعاد النظر في تاريخ الأزياء في الأردن من منظور حضاري ولساني عميق، تتكشف أمام الباحث حقيقة أن اللباس ليس مجرد غطاء للجسد أو وسيلة للزينة، بل هو وثيقة تاريخية حيّة تحفظ ذاكرة المجتمع وتعكس بنيته الثقافية والاجتماعية. ومن بين الأزياء التي تختزن في طياتها هذا البعد الحضاري العميق تبرز المدرقة الأردنية بوصفها أحد الرموز القديمة للهوية الأردنية، إذ تمتد جذورها إلى العصور القديمة في أرض الأردن، في مؤاب وأدوم وعمون، وتستمر آثارها في الأزياء الشعبية الأردنية حتى الأزمنة المتأخرة. إن المدرقة ليست قطعة لباس عابرة في تاريخ المجتمع الأردني، بل هي تعبير حضاري عن مفاهيم الحماية والهيبة والجمال، وتدل على استمرارية ثقافية عميقة بين الأردن القديم والأردن الحديث.
تقودنا القراءة اللغوية إلى الجذر العربي (درق) الذي يدل في معناه الأصلي على الوقاية والحماية. فالـ دَرَقَة في العربية هي الترس الذي يحتمي به المحارب في ساحات القتال، فيصدّ به ضربات السيوف وطعنات الرماح. وقد عرفت المجتمعات العربية والشرقية هذا المصطلح منذ عصور مبكرة للدلالة على أداة الدفاع التي تحفظ حياة المقاتل في المعركة. غير أن تطور اللغة والواقع الاجتماعي أدى إلى ظهور اشتقاق آخر من هذا الجذر نفسه هو المدرقة، التي يمكن فهمها بوصفها لباسًا يضطلع بوظيفة الحماية والستر في آن واحد. ومن هنا يظهر أن العلاقة بين الدرقة والمدرقة ليست مجرد تشابه لفظي، بل هي علاقة اشتقاق دلالي حضاري؛ فالدرقة تحمي جسد المحارب في الحرب، أما المدرقة فتحمي جسد المرأة وتغطيه وتمنحه الهيبة والوقار في المجتمع.
ويكشف هذا الاشتقاق عن فكرة محورية في الثقافة الأردنية القديمة، هي أن مفهوم الحماية كان جزءًا من بنية اللغة والحياة الاجتماعية معًا. فالمجتمعات القديمة في الأردن كانت مجتمعات محاربة تعتمد على الشجاعة والدفاع عن الأرض، ولذلك نشأت رموز لغوية وثقافية تعكس هذا المعنى. ومن هنا يمكن فهم المدرقة بوصفها لباسًا يحمل في طياته فكرة الوقاية والكرامة، وليس مجرد ثوب للزينة.
وتشير المعطيات الحضارية المرتبطة بتاريخ الأردن القديم إلى أن النساء في مجتمعات مؤاب وعمون وأدوم وبيريا وباشان وبلعما والبوادي الشرقية , كن يرتدين أثوابًا واسعة تغطي الجسد وتُزَيَّن بخيوط ملونة تُنسج داخل القماش أو تُطرَّز فوقه. وقد حافظت الذاكرة الشعبية الأردنية على ملامح كثيرة من هذا التقليد، إذ لا تزال الأثواب النسائية الأردنية التقليدية مزينة بخيوط ملونة، وأبرز هذه الألوان الأحمر والأخضر، وهما اللونان اللذان يظهران بكثرة في التطريز الأردني. وهذه الاستمرارية اللونية ليست مجرد مصادفة جمالية، بل تعكس استمرار تقاليد فنية قديمة تعود جذورها إلى عصور الأردن القديمة.
وفي هذا السياق يكتسب ما ورد في بعض النصوص القديمة عن لباس النساء أهمية خاصة. ففي الرواية التوراتية المتعلقة بالقائد الكنعاني سيسرا ورد وصف لثياب النساء بأنها ثياب مزينة ومتعددة الألوان. غير أن القراءة النقدية لهذا النص تكشف أن هذا الوصف هو وصف للازياء الاردنية التي عُرفت في الأردن القديم، حيث كانت الأثواب المطرزة بالألوان جزءًا من الثقافة المحلية، وليس في كنعان الساحلية كما توحي الرواية التوراتية
وهي وان صحت الرواية فان هذا الطراز ماخوذ من بلاد الاردن عبر اليبوسيين الذين نزحوا من بيريا الاردنية الى ما سمي فيما بعد بالقدس الشريف . ومن هنا يمكن القول إن هذا الوصف التوراتي وقع في نوع من الخلط الجغرافي والثقافي، فنسب إلى كنعان ما كان في حقيقته جزءًا من تقاليد اللباس في شرق الأردن.
ويزداد هذا التحليل وضوحًا عندما نتأمل البعد الرمزي لهذا اللباس في المعتقدات القديمة. فقد ارتبطت الإلهة عشتروت المؤابية الاصل والتي اتخذتها الحضارات الاخرى , اقول ارتبطت في حضارات المنطقة برموز الأنوثة والقوة والخصب ، وكانت تُصوَّر أحيانًا بلباس طويل يكسي جسدها ويمنحه هيبة خاصة. ومن المحتمل أن هذا النمط من اللباس يعكس نموذجًا ثقافيًا كان معروفًا في المجتمعات الأردنية القديمة، حيث كانت المرأة تُصوَّر بوصفها رمزًا للقوة والحياة، وليس مجرد عنصر ثانوي في المجتمع.
كما تشير بعض القراءات التاريخية إلى أن المجتمعات المؤابية ( وبخاصة زمن الملك بولاق والملك ميشع ) عرفت مشاركة النساء في الدفاع عن المجتمع في أوقات الخطر وان وبالتالي فإن المدرقة لم تكن لباسًا اجتماعيًا مؤابيا كركيا فحسب، بل كانت جزءًا من منظومة ثقافية اردنية ترى في المرأة عنصرًا فاعلًا في المجتمع، قادرًا على المشاركة في الدفاع عن الأرض والهوية والشرعية والقبيلة.
ومن خلال هذا التحليل يتبين أن المدرقة الأردنية تمثل حلقة مهمة في سلسلة الاستمرارية الحضارية في الأردن. فاللباس الذي عرفته النساء في المجتمعات الاردنية القديمة لم يختفِ مع مرور الزمن، بل تحوّل وتطور حتى أصبح جزءًا من الأزياء الشعبية الأردنية في القرى والبوادي الى يومنا هذا . وقد بقيت عناصر كثيرة من هذا اللباس حاضرة في الذاكرة الثقافية الأردنية، مثل التطريز الملون واتساع الثوب وطريقة ارتدائه ودلالته الثقافية والوطنية والهوية .
إن سردية المدرقة الأردنية تكشف في جوهرها عن حقيقة أعمق، وهي أن الهوية الثقافية لا تتشكل فقط عبر النصوص التاريخية، بل أيضًا عبر الأشياء اليومية التي يستخدمها الناس في حياتهم. فاللباس الشعبي، مثله مثل اللغة والعادات والتقاليد، يحمل في داخله آثار التاريخ الطويل للاردنيين . وعندما ندرس المدرقة الأردنية في ضوء هذا المنظور الحضاري، فإننا لا ندرس مجرد لباس قديم، بل نقرأ فصلًا من فصول التاريخ الأردني الذي امتد عبر آلاف السنين.
ومن هنا يمكن القول إن المدرقة الأردنية ليست مجرد أثر من آثار الماضي، بل ارث من ارث الهوية والشرعية والوطنية والثقافة الاردنية , هي شاهد حي على الاستمرارية الحضارية للأردن، وعلى قدرة الأردنيين على الحفاظ على عناصر هويتنا الثقافية رغم تعاقب العصور والتحولات التاريخية. إنها رمز من رموز الذاكرة الوطنية، ودليل على أنثقافتنا الأردنية تمتلك جذورًا عميقة في التاريخ، وأن هذه الجذور لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية حتى اليوم.
وبهذا المعنى تصبح المدرقة الأردنية أكثر من لباس تقليدي؛ إنها رمز حضاري يربط بين الأردنيين في العصر القديم والأردنيين في العصر الحديث، ويؤكد أن تاريخ هذا البلد واهله وهويته وشرعيته ووطنيته لم ينقطع، بل استمرت جميعها عبر العصور في أشكال متعددة من اللغة واللباس والفن والعادات الاجتماعية. ومن هنا تكتسب دراسة المدرقة الأردنية أهمية خاصة في فهم التاريخ الثقافي للأردن وفي إبراز الاستمرارية الحضارية التي تشكل أساس الهوية الأردنية عبر التاريخ
وتشير القراءة الجغرافية الحضارية إلى أن منطقة الكرك في جنوب الأردن كانت اول المراكز الأساسية لانتشار هذا اللباس في العصور القديمة. فقد عُرفت هذه المنطقة في التاريخ القديم باسم قير حارسة ثم أصبحت عاصمة مملكة مؤاب الأردنية. وتشير بعض القراءات في السردية الأردنية التاريخية إلى أن المدرقة كانت تتركز في هذا الإقليم الجبلي، حيث وفّرت البيئة الاجتماعية والعسكرية للمجتمع قبل المؤابي إطارًا مناسبًا لنشوء هذا اللباس الذي يجمع بين الستر والهيبة والعملية.
ومن هذا المركز الحضاري في الكرك المؤابية انتشر نمط المدرقة تدريجيًا إلى بقية الممالك الأردنية القديمة، فانتقلت تقاليده إلى مناطق عمون في الوسط وإلى أدوم في الجنوب، والى بيريا وباشان وممالك البادية الاردنية الشرقية , ضمن شبكة التفاعل الثقافي بين المجتمعات الأردنية القديمة. وقد عرف الاردنيون هذا النمط من اللباس منذ عصور سحيقة تعود إلى ما يقارب اثني عشر ألف عام قبل الميلاد ، أي إلى بدايات تشكّل المجتمعات الزراعية المستقرة في المرتفعات الأردنية، حيث بدأت تتبلور أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي أسست لاحقًا لظهور الممالك التاريخية في هذه المنطقة.
وفي ضوء هذا التحليل اللغوي والتاريخي يمكن النظر إلى الأردنيين بوصفهم المدرسة الحضارية الأولى لما يمكن تسميته بثقافة المدرقة في التاريخ القديم. فقد تشكّل هذا اللباس في البيئة الجبلية والاجتماعية للأردن، حيث التقت عوامل الحرب والدفاع عن الأرض مع متطلبات الحياة اليومية، فنتج عن ذلك لباس يجمع بين الحماية والهيبة والجمال. ومن هنا يمكن القول إن المجتمعات الأردنية القديمة لم تكن مجرد مستهلكة للثقافة المادية، بل كانت منتجة لأنماط حضارية انتشرت لاحقًا خارج حدودها الجغرافية.
وتشير بعض القراءات الحضارية إلى أن انتشار المجتمعات العربية القديمة في جنوب الأردن وشمال الجزيرة العربية، ولا سيما في نطاق بلاد ثمود، ساهم في نقل كثير من عناصر الثقافة الأردنية القديمة إلى محيط أوسع. وفي هذا السياق يمكن فهم انتقال بعض أنماط اللباس الواقية أو الواسعة التي تجمع بين الستر والحركة بوصفها تطورات لاحقة للفكرة الأصلية التي تجسدت في المدرقة الأردنية. ومع مرور الزمن تحولت هذه الفكرة إلى صيغ متعددة من الأزياء في مناطق مختلفة من العالم القديم، حيث ظهرت أشكال متنوعة من الأثواب والعباءات والملابس الواسعة التي تؤدي وظيفة الحماية والهيبة معًا.
ولا يعني هذا الانتشار أن الشكل بقي ثابتًا عبر العصور، بل إن كل مجتمع أعاد تشكيله وفق بيئته وثقافته المحلية. غير أن الفكرة الأساسية – وهي الجمع بين الوقاية والستر والهيبة – ظلت حاضرة في هذه الأزياء، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة جديدة للأزياء التاريخية بوصفها جزءًا من التبادل الحضاري الذي انطلق من مراكز ثقافية مبكرة في الأردن القديم.
وبهذا المعنى يمكن القول إن المدرقة الأردنية ليست مجرد عنصر من عناصر التراث المحلي، بل تمثل نموذجًا مبكرًا لإبداع ثقافي ساهم في تشكيل أنماط اللباس في محيط أوسع من العالم القديم. وهي بذلك تشهد على الدور الحضاري للأردن بوصفه أحد المراكز التي أنتجت أفكارًا ثقافية مادية انتشرت عبر الزمن والجغرافيا، لتصبح جزءًا من التراث الإنساني المشترك. .
ومن اسماء المدرقة كلمة (الخلقة ) وإنَّ كلمة «الخَلَقَة» في التراث الأردني ليست مجرد تسمية لقطعة من اللباس التقليدي، بل هي في حقيقتها اسم من أسماء المدرقة في الثقافة الأردنية المتوارثة ، وتحمل في طياتها دلالات لغوية وثقافية عميقة. فهذه الكلمة مشتقة في أصلها من الأخلاق، أي من منظومة القيم التي تقوم على الستر والحياء والاحتشام وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا جاءت «الخَلَقَة» بوصفها لباسًا يغطي عورة المرأة ويصون حرمتها، وفي الوقت نفسه يُبرز جمالها وزينتها في إطار من الوقار والاتزان.
وتتميّز «الخَلَقَة» في اللباس الأردني بما تحمله من تطريزات وألوان مستوحاة من الطبيعة الأردنية؛ من ألوان الأرض والجبال والسهول والنباتات، حتى تبدو وكأنها لوحة فنية تجمع بين الجمال الطبيعي والذوق الحضاري المتوارث عبر الأجيال. فهي لا تُظهر الزينة بمعناها السطحي، بل تعبّر عن جمالٍ منضبط بقيم الأخلاق والاحتشام، بحيث يتوازن فيها البعد الجمالي مع البعد القيمي.
ومن اللافت في هذا السياق أن العلاقة بين «الخَلَقَة» و«المدرقة» تكشف عن معنى رمزي عميق في ثقافتنا الأردنية. فالمدرقة في لباس المرأة تُعدّ رديفًا رمزيًا لـ«الدَّرَقة» عند الرجل؛ إذ كما كانت الدرقة في ثقافة الفروسية العربية رمزًا للقوة والدفاع والحماية في يد الفارس، جاءت المدرقة في لباس المرأة الأردنية لتعبّر عن معنى موازٍ في عالم القيم الاجتماعية. فهي ليست مجرد عنصر من عناصر الزينة، بل رمز للعفة والكرامة وصيانة الذات، وهي في دلالتها الاجتماعية تقابل عند المرأة ما تمثله الدرقة عند الرجل من الرجولة والقدرة على حماية الأرض والعرض والدفاع عن الكرامة.
وفي المقابل، فإن «الخَلَقَة» في لباس المرأة ترمز إلى الأخلاق والستر والاحتشام وصيانة الكرامة الإنسانية، فهي التعبير المادي عن منظومة القيم التي تضبط حضور المرأة في المجتمع ضمن إطار من الوقار والجمال المتوازن. ومن هنا تتجلى رمزية عميقة في التقاء هذين المفهومين؛ إذ تتحد الأخلاق (الخَلَقَة) مع القوة والحماية (المدرقة) في منظومة ثقافية واحدة تعكس رؤية الأردنيين عبر التاريخ لدور الرجل والمرأة داخل المجتمع.
وفي هذا التصور الحضاري لا تقوم العلاقة بين الرجل والمرأة على التنافس أو الصراع، بل على التكامل القيمي؛ فالرجل يحمل رمز القوة والحماية، والمرأة تحمل رمز الأخلاق والستر والجمال المنضبط، وباجتماع الرمزين تتشكل منظومة القيم الاجتماعية التي تحفظ كرامة الإنسان وتوازن المجتمع.
وهكذا يكشف هذا التراث الرمزي عن بعد حضاري عميق في الثقافة الأردنية، حيث تتقدم الحضارة الأخلاقية على الحضارة المادية، وتُبنى العلاقات الاجتماعية على منظومة من القيم التي تجمع بين الكرامة والستر والقوة والمسؤولية. وهذا ما يجعل الرموز التقليدية في لباس الأردنيين ليست مجرد مظاهر مادية، بل شواهد ثقافية على منظومة أخلاقية متجذرة في التاريخ، استمرت عبر الأجيال حتى يومنا هذا بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية للأردن.
وفي هذا التصور الثقافي العميق، لا تكون حماية المرأة مسؤولية أهلها وعشيرتها وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع الأردني بأسره. فالمرأة في الوعي الاجتماعي الأردني ليست فردًا معزولًا، بل هي جزء من شرف الجماعة وكرامتها. ولهذا فإن الدفاع عنها وصيانة كرامتها واجبٌ جماعي ينهض به المجتمع كله، من أقاربها ومن أبناء الوطن جميعًا، بل حتى من أولئك الذين قد يكون بينهم وبين أهلها خصومة؛ لأن كرامة المرأة في هذا التصور تتجاوز حدود الخلافات الفردية وتبقى قيمة عليا لا يجوز المساس بها.
إن هذه المنظومة القيمية التي تجمع بين الأخلاق والقوة والكرامة ليست ظاهرة طارئة في المجتمع الأردني، بل هي ثقافة متجذّرة في التاريخ، تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا من الهوية الحضارية للأردنيين. وهي تعبير عن رؤية إنسانية عميقة ترى في المرأة موضع تكريم وصيانة، وفي الرجل حارسًا للقيم والكرامة، وفي المجتمع إطارًا جامعًا لحماية هذه القيم.
ومن هنا فإن «الخَلَقَة» ليست مجرد لباس تقليدي، كما أن «المدرقة» ليست مجرد أداة من أدوات الفروسية؛ بل إن كليهما يشكّل رمزًا حضاريًا وثقافيًا يجسد منظومة الأخلاق والكرامة والحماية التي قامت عليها الثقافة الأردنية عبر التاريخ، والتي ما تزال حية في وجدان المجتمع الأردني إلى يومنا هذا بوصفها ثقافة أصيلة موروثة وليست ثقافة طارئة.