facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السنة والشيعة و"الأمن المذهبي"


حسن عبدالحميد الرواشدة
09-03-2026 01:02 PM

في كل الحروب الكبرى لا تكون الجبهات عسكرية فقط، بل نفسية ومذهبية ورمزية أيضاً. والحرب على إيران إن اتسعت أو طال أمدها لن تكون استثناءً، بل مرشّحة لأن تفتح جرحاً مذهبياً عميقاً في المنطقة، يعيد إنتاج مشاعر الضحية، ويستدعي سرديات تاريخية لم تندمل بعد. هنا تحديداً تبدو "السنة" أمام مهمة تاريخية معقّدة تقوم على استيعاب الغضب الشيعي، وفتح أفق مصالحة تتجاوز منطق الغلبة وردّ الفعل.

منذ عام 2001، عقب غزو أفغانستان، ثم عام 2003 مع غزو العراق، عاش السنّة في الإقليم شعوراً مركّباً بالاستهداف والتهميش والانكسار. تفكّك الدولة العراقية، حلّ الجيش، صعود الميليشيات، سنوات العنف الطائفي بين 2006 و2008، ثم تمدّد تنظيمات متطرفة كـ تنظيم الدولة الإسلامية كلها صنعت بيئة شعورية لدى قطاعات واسعة من السنّة مفادها أنهم يدفعون ثمن تحولات جيوسياسية كبرى لا يملكون أدواتها. لم يكن الأمر مجرد تحوّل سياسي، بل تحوّل في ميزان القوة الرمزية داخل الإقليم.

في المقابل، شهدت السنوات التالية صعود نفوذ القوى الشيعية الإقليمية، وتمدد أذرعها في أكثر من ساحة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. تشكّلت لدى قطاعات واسعة من الشيعة قناعة بأنهم انتقلوا من موقع الدفاع التاريخي إلى موقع الفعل والتأثير. غير أن هذا الانتقال لم يكن مستقراً؛ إذ ظل محفوفاً بالتوترات، وبمخاوف دائمة من عودة الإقصاء أو الاستهداف.

اليوم، ومع احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب مباشرة أو شبه مباشرة مع إيران، يعود الشعور الشيعي بالتهديد إلى الواجهة. ليس بالضرورة بوصفه تضامناً سياسياً مع نظام بعينه، بل بوصفه استدعاءً لذاكرة طويلة من الصراع والاضطهاد، تمتد في المخيال الجمعي إلى قرون. هنا تتشكل معادلة نفسية خطرة، شيعة يشعرون بأنهم مستهدفون جماعياً، وسنّة قد يُستدرجون بفعل الاستقطاب إلى موقع الشماتة أو الاصطفاف الصامت.

غير أن التجربة القريبة تثبت أن منطق الشماتة الطائفية لا ينتج استقراراً. ما بعد 2003 لم يكن نصراً لأحد، بل كان بداية دورة دمٍ أحرقت الجميع. المجتمعات التي سمحت بتحويل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي دفعت الثمن مضاعفاً. لذلك فإن المسؤولية التاريخية اليوم لا تقع على الحكومات وحدها، بل على المؤسسات الدينية والثقافية والفكرية السنية تحديداً، لأن المطلوب ليس موقفاً سياسياً، بل خطاباً أخلاقياً يقطع الطريق على التعميم والانتقام الرمزي.

استيعاب الغضب الشيعي لا يعني تبنّي سياسات إيران أو تبرير أدوارها الإقليمية، بل يعني الفصل الصارم بين نقد الدولة وسلوكها، وبين وصم جماعة مذهبية كاملة. كما يعني الاعتراف بأن مشاعر الخوف، حتى لو بدت مبالغاً فيها هي مشاعر حقيقية في وجدان أصحابها. والاعتراف هو الخطوة الأولى لأي مصالحة.

على المستوى الشعبي، ثمة حاجة لإعادة بناء مساحات التواصل العابر للطوائف، بعيداً عن منابر التحريض ومنصات السوشال ميديا التي تتغذى على الاستقطاب. وعلى المستوى الديني، المطلوب خطاب يرسّخ فكرة المواطنة والعيش المشترك، ويجرّم التكفير والتحريض بشكل واضح لا لبس فيه. أما على المستوى الثقافي والفكري، فالمعركة الأهم هي معركة الرواية، أي رواية ستسود؟ رواية "المنتصر والمهزوم"، أم رواية "المنطقة التي لا تتحمل حرباً أهلية باردة جديدة"؟

إن تحويل الحرب على إيران إلى حرب على الشيعة سيكون خطأً استراتيجياً وأخلاقياً في آن واحد. فهو أولاً يختزل صراعاً جيوسياسياً معقّداً في بعد مذهبي ضيق، وثانياً يعيد إنتاج الدائرة التي أرهقت المنطقة منذ مطلع الألفية. لقد تعلّم السنّة عبر تجربة مريرة أن الشعور الجماعي بالاستهداف يمكن أن يدفع شرائح واسعة نحو الراديكالية أو الانكفاء أو القطيعة مع الدولة. ومن الحكمة السياسية أن يُمنع تكرار هذا السيناريو مع أي مكوّن آخر.

المصالحة التاريخية لا تُصنع ببيانات إنشائية، بل بعمل تراكمي طويل يقوم على مراجعات فكرية، شجاعة في نقد الذات، وإعادة تعريف مفهوم "الأمن" ليشمل أمن الجماعات النفسية والرمزية، لا أمن الحدود فقط. فالأمن المذهبي إن صح التعبير بات جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.

ربما تبدو هذه الدعوة مثالية في لحظة احتقان عالٍ، لكن البديل عنها واضح، مزيد من الانقسام، ومزيد من الحروب بالوكالة، ومزيد من الأجيال التي تكبر على ذاكرة الكراهية. المنطقة لا تملك ترف دورة جديدة من الثأر الرمزي. وإذا كان السنّة قد اختبروا شعور الضحية في العقدين الماضيين، فإن الوعي بهذه التجربة يجب أن يتحول اليوم إلى رصيد أخلاقي يُستخدم لاحتواء الغضب، لا لتدوير الألم.

في لحظات التحول الكبرى، تُختبر نضج الجماعات لا بقوتها، بل بقدرتها على كبح غرائزها. والحرب الان قد تكون اختباراً قاسياً. لكن التاريخ يكتب أيضاً في كيفية إدارة ما بعد الصدمة. وهنا تحديداً، قد يكون الخيار بين إعادة إنتاج المأساة، أو الشروع في مصالحة طال انتظارها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :