أمي .. لماذا تدوي الصواريخ؟
د. أحلام راشد القاسمي
12-03-2026 12:42 PM
قد يكون هذا سؤالاً بسيطًا، لكنه عميق بدلالاته، معقد بتداعياته. ذلك السؤال الذي تردد في آلاف البيوت الخليجية مع كل غارة إيرانية جديدة، مع كل صاروخ باليستي يقطع السماء، مع كل طائرة مسيَّرة تستهدف المدن والمطارات والمنشآت الحيوية.
في المنامة، استشهدت مواطنة بحرينية جراء العدوان. في دبي، سقط جرحى مدنيون بمحيط المطار الدولي. في الكويت، دوَّت صفارات الإنذار. في قطر والسعودية، تصدت الدفاعات الجوية لهجمات مكثفة. مشهد واحد يتكرر: عدوان إيراني غاشم، ومدنيون في مرمى النيران، وأطفال يرتجفون خوفًا.
هذا ليس استهدافًا عسكريًا. هذه جرائم حرب مكتملة الأركان.
من منظور اجتماعي، ما يحدث ليس مجرد اعتداءات عابرة. إنه إعادة تشكيل لوعي جيل كامل. الأطفال الخليجيون اليوم يعيشون حالة استثنائية: أصوات الانفجارات تصاحب نومهم، الدخان المتصاعد يشوه ذاكرة أماكنهم المفضلة، وجوه الأهل المتوترة ترسم ملامح قلق لا يزول.
الطفل في علم الاجتماع ليس كائنًا منعزلاً. هو جزء من نسيج اجتماعي يتأثر ويؤثر. عندما تتعرض الدولة لعدوان خارجي، يصاب المجتمع بصدمة جماعية، والأطفال هم الأكثر هشاشة أمام هذه الصدمة.
ذاكرتهم الجمعية تتشكل الآن. بعد عشرين عامًا، سيروون لأبنائهم: «كنا نختبئ في الملاجئ حين كانت إيران تقصف مدننا». السؤال: هل نريد لهذه الذاكرة أن تكون حكاية رعب أم حكاية صمود؟
في مواجهة هذا العدوان النفسي، تقف الأسرة الخليجية كخط دفاع أول. هي المؤسسة الاجتماعية القادرة على تحويل الرعب إلى طمأنينة، والفوضى إلى نظام.
الطفل الذي يرى الخطر يهدد بيته يحتاج إلى احتضان مضاعف. التواجد العاطفي، الاستماع للمخاوف دون تهويل أو تهوين، الاعتراف بالمشاعر وعدم الاستهانة بها.. كلها أدوات بسيطة لكنها فعّالة.
لا نكذب على أطفالنا، ولا نفزعهم بالتفاصيل. نشرح أن هناك دولة معتدية اسمها إيران تستهدف بلادنا، لكننا نملك جيوشًا وأنظمة دفاعية تحمينا. الطفل الذي يعرف أن السماء محمية بمنظومات الدفاع الجوي ينام قرير العين.
تعزيز حب الوطن في نفوس الأطفال. قولوا لأطفالكم: «نحن أقوياء لأننا خليجيون متحدون، ولأن قيادتنا تحمينا، ولأن جيشنا الباسل يسهر على سلامتنا».
كيف نشرح «العدو» دون زرع الكراهية؟
هنا يكمن التحدي الأكبر. كيف نشرح لأطفالنا أن إيران تعتدي علينا، دون أن نعلمهم كراهية الشعوب؟
المقاربة الاجتماعية السليمة تقتضي التفريق بين النظام والشعب. نشرح أن النظام الإيراني هو المعتدي، أما الشعب الإيراني فقد يكون ضحية لهذا النظام أيضًا. نعلم أطفالنا رفض العدوان، مع بقائهم منفتحين على الآخرين نربيهم على حب الوطن، دون كراهية الآخر.
الخوف طاقة سلبية، يمكن تحويلها إلى إبداع إذا أُحسن توجيهها:
الرسم كعلاج نفسي: دعوة الطفل لرسم مشاعره تجاه ما يحدث. رسوماته قد تكشف عن مخاوفه بشكل لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.
قصص البطولة: قراءة قصص عن بطولات الجيش والدفاع المدني. تحويل الأبطال الحقيقيين إلى قدوة للأطفال.
الأنشطة العائلية: الطهي معًا، الزراعة المنزلية، الألعاب الجماعية.. كلها تعيد إنتاج شعور الطبيعي والآمن.
التضامن مع المرابطين: إشراك الأطفال في إعداد رسائل دعم للجنود على الحدود. هذا يحولهم من ضحايا سلبيين إلى مشاركين إيجابيين.
التثقيف الإعلامي: تعليم الأطفال كيفية متابعة الأخبار بطريقة متوازنة، وتجنب الصور المروعة، والتركيز على جهود الحماية والإنقاذ.
أطفال الخليج هم مستقبل هذه الأرض المباركة. إيران تريد لهم الخوف والهلع، ونحن نريد لهم الطمأنينة والإبداع. إيران تريد لهم الذل والانكسار، ونحن نريد لهم العزة والثقة.
نشكر قياداتنا وجيوشنا الباسلة التي تسهر على حماية سمائنا. نشكر الأسر الخليجية التي تحتضن أطفالها وتطمئنهم. ونقول للنظام الإيراني: اعتداءاتكم على مدننا ومنازلنا وأطفالنا لن تزيدنا إلا قوة وتماسكًا.
سنحمي أطفالنا من شروركم، وسنربيهم على حب أوطانهم والدفاع عنها. نحن شعوب نصنع الحياة، وأنتم تصنعون الموت. والفرق بيننا وبينكم كالفرق بين النور والظلام.
نعم للسلام العادل..
نعم للتنمية والأمان.. لا للتدمير والخوف
نعم لحماية الأطفال.. لا لاستهدافهم
٭ أستاذ مشارك في علم الاجتماع – متخصص في قضايا الطفولة والتنشئة الاجتماعية
الأيام