facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا نقف ونتعاطف مع إيران؟!


محمود الدباس - أبو الليث
13-03-2026 02:35 AM

عزيز القارئ.. قبل أن تمضي في هذه الكلمات.. قد تجد نفسك غير مرتاح لبعض ما سيأتي فيها.. ليس لأن الحقائق غامضة.. بل لأن وضوحها أحياناً.. يزعج مَن اعتاد النظر إلى نصف الصورة فقط.. فالقضايا الكبرى لا تُفهم من سطرٍ عابر.. ولا تُحاكم بعاطفة لحظة.. ولهذا فإن الحكم العادل على ما سيقال هنا.. لا يكون إلا بقراءته كاملاً دون اجتزاء.. لأن الفكرة حين تُقتطع من سياقها.. كثيراً ما تتحول من محاولة للفهم.. إلى مادة لسوء الفهم..

في كل حربٍ تعبر منطقتنا.. لا تُختبر الجيوش وحدها.. بل تُختبر العقول أيضاً.. لأن الرصاصة قد تصيب جسداً.. لكن الفكرة الخاطئة تصيب أمة كاملة.. ولهذا فإن أخطر ما في الحروب ليس القصف.. بل ذلك الارتباك الأخلاقي الذي يجعل الإنسان عاجزاً عن التمييز بين من يتعاطف مع الحق.. ومن يصفق للقوة أياً كان صاحبها..

نحن كعرب.. لا يحتاج أحد أن يزايد علينا في موقفنا من الكيان الغاصب.. فجرحه في الذاكرة قبل الأرض.. وجرائمه في التاريخ قبل نشرات الأخبار.. وكل عربي حر يعرف أن الوقوف مع هذا الكيان أو تبرير أفعاله خيانة للإنسان قبل أن تكون خيانة للأمة.. لكن المعضلة الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا الرفض المشروع إلى بوابة يمر منها كل مشروع آخر يريد أن يتسلل إلى وعينا.. وكأن العداء لعدوٍ واحد يمنح صك البراءة لأي قوة أخرى مهما فعلت..

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً مما يبدو على السطح.. هل نقف مع دولة لأنها ترفع شعار الإسلام.. أم لأن أفعالها تنسجم مع أخلاق الإسلام؟!.. وهل يكفي أن يُكتب الدين في الدستور حتى تصبح السياسات امتداداً للرسالة؟!.. أم أن الميزان الحقيقي هو ما يحدث على الأرض.. لا ما يقال في الخطب والشعارات.. فما بالنا إن كان الدستور ينص على الهيمنة والإحلال؟!..

الإسلام الذي نعرفه لم ينتشر بالسيف وحسب.. بل بالأخلاق والتعاليم أيضا.. ولم يصل إلى القلوب بالترويع.. بل بالعدل والرحمة.. ولهذا حين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم قادة الجيوش.. لم يبدأ بالحديث عن النصر.. بل عن الضمير.. عن طفل لا يُقتل.. وعن امرأة لا تُروع.. وعن شيخ لا يُؤذى.. وعن شجرة لا تُقطع.. لأن الحرب في الإسلام ليست انفلات قوة.. بل امتحان أخلاق..

ومن هنا تبدأ المفارقة المؤلمة.. فحين نرى دولة تتحدث باسم الإسلام.. ثم نسمع تهديداً بإغراق المنطقة في الظلام.. أو بقطع شرايين الاتصال عن قارات كاملة.. أو بتحويل حياة ملايين المدنيين إلى رهائن في معركة سياسية.. يصبح السؤال مشروعاً.. أي علاقة بين هذه اللغة.. وبين الرسالة التي قامت على الرحمة للعالمين؟!..

الأخطر من ذلك أن كثيراً من هذه التهديدات لا تصيب العدو بقدر ما تصيب جيراناً عرباً ومسلمين.. دولاً أعلنت أنها لا تريد أن تكون جزءاً من هذه الحرب.. شعوباً لم تناصبهم العداء.. ومع ذلك تُستباح أجواؤها.. وتُزرع الصواريخ فوق رؤوس أطفالها.. ويعيش الناس لياليهم بين صفارات الإنذار وسقوط الشظايا.. وكأن الخوف أصبح ضريبة يجب أن يدفعها كل من يعيش في هذه المنطقة..

وفي هذا السياق تحديداً.. لا يمكن تجاوز ما جرى في الأردن.. دون التوقف عنده بهدوء العقل قبل حرارة العاطفة.. فالأردن أعلن بوضوح منذ البداية.. أنه لا يريد أن يكون طرفاً في هذه الحرب.. وأن أجواءه وأراضيه ليست ساحة لأي صراع.. ورغم ذلك.. مرّت الصواريخ والمسيّرات فوق سمائه.. ووجد المواطن نفسه فجأة يعيش القلق والخوف.. لا لأنه طرف في المعركة.. بل لأنه يقع في طريقها..

بل إن الأمر لم يتوقف عند مرور الصواريخ فقط.. لأن الأردن لم يعلن حرباً.. ولم يسمح باستخدام أراضيه.. ولم تنطلق من عنده أي هجوم.. ومع ذلك وصلت إليه نار المعركة.. وهذا بحد ذاته كافٍ ليدفع أي عاقل للتساؤل عمّا يجري..

والأكثر دلالة في هذا المشهد.. كان ما أعلنه الناطق باسم القوات المسلحة الأردنية.. حين أكد أن الدفاعات الجوية.. اعترضت كل الصواريخ والمسيّرات التي كانت متجهة نحو الأراضي الأردنية.. وهذا يعني ببساطة.. أن ما لم يُعترض.. لم يكن موجهاً للأردن أصلاً.. بل عبر أجواءه في طريقه إلى فلسطين المحتلة.. وهو ما يضع أمامنا سؤالاً بسيطاً في ظاهره.. لكنه عميق في معناه.. كيف تتحول سماء دولة أعلنت الحياد إلى ممر للصواريخ.. بينما يعيش شعبها تحت خطر الشظايا والخوف.. دون أن يكون طرفاً في القرار أو في المعركة؟!..

أما ما جرى في دول عربية أخرى.. فليس من باب الحكمة أن نغرق في تفصيله الآن.. ولا أرغب أصلاً في التذكير بما فعلته إيران في العراق.. أو سوريا.. أو لبنان.. ولا في استحضار الصور الثقيلة.. التي ما زالت الذاكرة العربية تحتفظ بها..

لكن المشكلة.. أن التاريخ لا يختفي بمجرد أن نقرر تجاهله.. فحين سقطت أنظمة.. وانهارت دول.. لم يكن السؤال يومها عن تحرير القدس.. بل عن تثبيت النفوذ.. وعن خرائط النفوذ.. وعن ميليشيات تتكاثر في العواصم كما تتكاثر الظلال عند الغروب.. وفي تلك الفوضى.. ذُبح عرب ومسلمون ذبح الشياه بدم بارد.. وبيوت خُرّبت.. وخوف عاشته شعوب مسلمة.. وسقطت مدن كاملة.. تحت شعارات كبيرة لا يلمس الناس منها إلا الخوف والانقسام..

وهنا يقف سؤال آخر لا يقل ثقلاً.. أين كانت كل تلك الصواريخ التي نراها اليوم تتطاير في السماء.. حين كانت إيران حاضرة بقوة في سوريا ولبنان.. على تماس مباشر مع فلسطين المحتلة؟!..

وأين كانت حين كان جيش الاحتلال غارقاً في حرب طويلة ومرهقة في غزة.. يستنزف جنوده وعتاده تحت ضربات المقاومة؟!.. لماذا لم تتحول تلك اللحظة إلى فرصة تاريخية لتحرير الأرض التي يقال إنها الهدف الأسمى؟!.. أم أن الصواريخ.. مثل كثير من الشعارات.. تتحرك أحياناً في الاتجاه الذي تخدم فيه السياسة.. لا في الاتجاه الذي تنتظره الأمة؟!..

ولهذا فإن أخطر ما نفعله اليوم.. هو أن نسمح للعاطفة.. أن تعمينا عن رؤية الصورة كاملة.. فرفض الظلم.. لا يعني أن نغض الطرف عن ظلم آخر.. والوقوف ضد العدوان.. لا يعني أن نصبح شهود زور على مشاريع الهيمنة.. لأن الكيل بمكيالين ليس فقط خطيئة سياسية.. بل انكسار أخلاقي أيضاً..

العاقل لا يقف مع الظالم.. لكنه أيضاً لا يستبدل ظالماً بآخر.. ولا يبدل احتلالاً بنفوذ.. ولا يستبدل مشروعاً توسعياً بآخر يحمل اسماً مختلفاً.. لأن الأوطان لا تُحمى بالشعارات.. بل بالوعي.. ولا تُصان بالعواطف المنفلتة.. بل بالبصيرة التي ترى ما وراء الكلمات..

ولهذا.. فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه كل من يصفق لأي قوة في هذه المنطقة.. هو سؤال بسيط في ظاهره.. لكنه ثقيل في معناه.. هل نحن نقف مع القيم.. أم مع القوة؟!.. هل نقف مع الإسلام الذي نعرفه أخلاقاً وعدلاً ورحمة.. أم مع نسخة سياسية منه تُستخدم حيناً كشعار.. وتُنسى حيناً آخر عندما تتعارض مع المصالح؟!..

لأن الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها.. أن الأمة لا تُخدع كثيراً.. قد تصمت أحياناً.. وقد تنشغل بآلامها.. لكنها تعرف في أعماقها.. الفرق بين من يريد تحريرها.. ومن يريد فقط أن يرث أرضها بعد أن يتعب أصحابها..

ولهذا فإن من يصرّ على تزيين هذا المشهد بعد كل ما انكشف.. لا يخدع الأمة بقدر ما يكشف نفسه.. لأنه يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما.. إما أنه يرى هذه الحقائق كلها ثم يغضّ الطرف عنها عامداً.. وإما أنه لا يريد أن يراها أصلاً لأنها تهدم الرواية التي يتمسك بها..

وفي الحالتين يبقى السؤال معلقاً في الهواء.. سؤال ثقيل يعرفه الجميع لكن القليل فقط يجرؤ على قوله.. أحقاً أنكم تدافعون عن الإسلام كمنهج كامل.. أم أن في النفوس شيئاً آخر.. لا تريدون البوح به؟!..

فليس من السهل أن يرى الإنسان الدم العربي الذي سُفك.. والخوف الذي عاشته شعوب مسلمة.. والنفوذ الذي تمدد في عواصمنا.. والتهديدات التي يصرح بها النظام الإيراني ضد من لم يشترك في العدوان.. ثم يواصل التصفيق.. وكأن شيئاً لم يحدث.. إلا إذا كان التصفيق نفسه.. يخفي ما هو أعمق من مجرد موقف سياسي.. شيئاً يخجل صاحبه من التصريح به.. فيستعير اسم الإسلام ونصرته.. ليقوله دون أن يقوله.. ويستعمل القضية الكبرى.. ستاراً لفتنة لا يريد أن يتحمل مسؤولية إعلانها بصراحة..؟!..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :