فلسفة ربيعية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
13-03-2026 03:16 AM
لفهم ما يجري حولنا لا بد ان نعود لفهم العقل البشري فالمجتمعات و الدول و السياسيين و العسكريين و المحللين و المنظرين بالنهاية هم افراد. جوهر فهم العقل البشري هو الادراك و التفكير.
الادراك هو عملية فهم و تصور العالم من حولنا باشياءه و افكاره و شخوصه و احداثه و هذه تختلف من فرد لآخر و بالتالي من مجتمع لآخر. العقل البشري يفهم الحاضر و ما يستجد من احداث و العالم من حولنا من خلال برمجة الطفولة و التجارب و العواطف المخزنة اي انه يفهم الحاضر ببرنامج مخزن من الماضي. يسنثنى من ذلك نسبة ضئيلة جدا تدرك العالم و الحاضر بشكل تحليلي موضوعي قادر على توليد افكار و انماط و حلول و استشراف المستقبل و تعاطف مع الآخرين.
الجماهير و المجتمع و الجماعات هي نمطية بطبعها اي ان ادراكها للعالم و للحاضر من خلال انماط مخزنة مسبقا لذلك نراها ترى العالم من خلال المذهبية او الطائفية او التدين او القبلية او العرقية او الثقافة الاجتماعية فما يتطابق مع تلك الانماط هو صحيح و جيد و ما يخالفها فهو خطأ و خطر. ذلك لا يميز بين الجماعات في الدول الغربية او الشرقية فجميعها تنطلق من هذه الانماط و من المصالح و المكاسب.
الفرد في الاغلب نمطي باستثناء لنخبة محدودة تكون ابداعية اي انها تستعمل العقل الواعي للتحليل و التفكير الموضوعي النقدي لتوليد افكار و انماط و حلول جديدة. لكن هذه النخبة البسيطة هي مهمشة محاربة مبعدة كما كانت عبر التاريخ. الفترات الوحيدة التي سمح بها للنخب الابداعية بهامش محدود كان في فترات من الحضارة الاغريقية و صدر الاسلام و فترة من الدولة العباسية و في فترة الثورة الفرنسية و الثورة الصناعية في اوروبا.
الصراعات و الازمات عبر التاريخ كانت على من يسيطر على المجتمعات النمطية من خلال خلق او توظيف الانماط و لذلك كان دوما حلقة متكررة بين النخب الابداعية الفكرية (عامل التفكير) و النخب الفكرية المادية (عامل الانتاج). تعلو النخب الفكرية في غفلة من الزمن مطالبة بالعدالة الاجتماعية بنمط فكري ما فما ان يحدث التغيير و السيطرة حتى يصبح الترفية مطلبا اجتماعيا خفيا فتصعد نخب الانتاج المادية و تسيطر فتنشأ الطبقية لتصبح العدالة الاجتماعية مطلبا من جديد تنتظر فكرا يقلب الطاولة لتعاد الكرة مرة اخرى.
اي ان الصراع كان دوما نتاج الفجوة بين التفكير النمطي و التفكير الابداعي بشقيه الثقافي و المادي و ازمات اليوم لا تختلف عن الماضي تيارات فكرية نمطية عرقية او مذهبية او طائفية او دينية تتصارع لكنها في الحقيقة انماط موجودة و الصراع هو على توزيع عوامل الانتاج من الموارد و النفوذ و السيطرة.
خطورة النمطية في انها تعلى من قيمة النمط و تقلل من قيمة اي نمط آخر و يصبح ايذاء او تدمير النمط الآخر مقبولا او احيانا مقدسا حتى لو كان اطفالا او نساء او عجائز.
ما نراه اليوم من اختلاف في الاراء و صراعات فردية و جمعية نتاج الاختلاف في الادراك فالحقائق ثابته و القيم الانسانية العليا ثابته و لكن ادراكها وفق انماط محدودة تلغي قيمة الآخر و تشرعن القتل و التدمير كبديل للتعاون و التعاطف.
منذ ان بدأت الحياة على كوكبنا كانت معضلتها البقاء و هذه تحتاج للنجاة و نشر الجينات و الانسان ليس استثناءا فهو خلق و يسير وفق نفس القوانين لكن الاستثناء كان هو خلق الوعي و الذي انبثق عنه قيم و قوانين للتعايش تظهر باشكال مختلفة لكنها في الحقيقة حاجة للبقاء يتوهم البعض في لحظات القوة انه قادر على النجاة وحيدا ليجد انه اضعف من ذلك بكثير فلولا العفن او النباتات الفطرية التي وفرت لنا المضادات الحيوية لما تمكن الانسان من العيش لعقود طويلة و لكانت معاركه الحقيقية مع الكائنات الدقيقة و ما تسببه من أمراض فتاكة.
مع كل الجبروت الذي وصله الجنس البشري لكنه بقي محكوما بقوانين الفيزياء مثل الزمن و الانتروبيا فكليهما يسيران باتجاه واحد عكس كل شئ آخر. الانتروبيا فرضت ان الهدم له طرق متعددة تنتهي بالفوضى في حين ان البناء له طريق واحدة و اما الزمن فبعكس البعد المكاني الذي تستطيع التنقل به في كافة الاتجاهات فالزمن يسير باتجاه واحد.
الى ان يجد الجنس البشري الممرات الدودية التي تسمح له بالتنقل عبر الزمن سيبقى محكوما بعقدة الفناء و رغبة الخلود ينشغل بالصراعات ليهرب من عقدة الضعف الابدية و الخوف من النهاية.