الترامبية .. استراتيجية بلا بوصلة وتصريحات متناقضة
م. بسام ابو النصر
13-03-2026 03:23 AM
في السياسة الدولية، من المفترض أن تُبنى القرارات الكبرى على خطط واضحة وأهداف محددة. لكن تصريحات الرئيس الأميركي ترامب حول إيران تكشف نمطاً مختلفاً حيث سلسلة من التصريحات المتناقضة التي تجعل المتابع يتساءل أحيانا، هل هناك استراتيجية واضحة، أم أننا نشاهد عرضاً سياسياً متقلباً؟
قبل المواجهة، كان ترامب يكرر عبارة “لن ندخل إيران برياً”، في محاولة لطمأنة الرأي العام وحلفاء واشنطن في المنطقة. لكن في الوقت نفسه، كان يعلن أن الولايات المتحدة ستدخل لحماية قواعدها في الخليج العربي ودولًا أخرى ، ويطلب من هذه الدول حماية هذه القواعد. يبدو الأمر وكأنه يقول: "لن نشارك قواتنا في البر، لكن سنظل نحمي مصالحنا بأي وسيلة".
ثم تظهر تناقضات أخرى أكثر وضوحاً عند الحديث عن أهداف الحرب المفترضة:
• في تصريح قال: “الهدف هو القضاء على البرنامج النووي الإيراني”، بينما في تصريح آخر: “الهدف هو تغيير النظام الإيراني”.
• في تصريح ثالث: “الهدف هو السيطرة على مضيق هرمز”، وفي تصريح رابع: “الهدف هو تحرير الشعب الإيراني”.
• وأحياناً يعترف بنفسه قائلاً: “الهدف من الحرب… ما أعلمه وتورطت”، وهو تصريح يعكس ربما صراحة غير معتادة في السياسة، لكنه بالتأكيد يضيف بعداً كوميدياً إلى الملف.
أما فيما يخص التدخل الإقليمي، فقد ذكر ترامب:
• “سوف تثور المعارضة الكردية على إيران”، ثم عاد ليقول: “لا أريد دخول الأكراد”. هذه التناقضات تثير التساؤل عن ما إذا كان هناك خطة واضحة للتعامل مع الأكراد أم أنها مجرد تصريحات متفرقة حسب المزاج السياسي.
حتى فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، تراوحت تصريحاته بين:
• “قضينا على البرنامج النووي الإيراني 2025”، ونحاول القضاء على البرنامج النووي الإيراني 2026، وكأن الحرب بدأت وانتهت وأُعيدت في الوقت نفسه.
ومن المفارقات التي تثير الدهشة: الجمع بين التهديد العسكري والرسائل الدبلوماسية:
• يقول إن الحرب تستهدف تدمير إيران بالكامل، وفي المقابل يفتح الباب للتفاوض لاحقاً.
• يتحدث عن حماية بعض البلدان العربية، ثم يشير إلى أن الهدف العسكري يشمل تغيير النظام، مما يثير التساؤل حول توافق أهداف واشنطن مع مصالح حلفائها في المنطقة.
وفي محاولة لتحليل هذه المتناقضات:
1. تعدد الأهداف في وقت واحد: من القضاء على الصواريخ، إلى البرنامج النووي، إلى تحرير الشعب الإيراني، إلى تدمير الدولة بالكامل. تعدد الأهداف يجعل من الصعب تقييم الأولويات الحقيقية.
2. تناقض بين الوسائل والغايات: إعلان عدم الدخول برياً، ثم التدخل لحماية قواعد عسكرية، يعكس تناقضاً واضحاً بين الخطاب والواقع العسكري المحتمل.
3. تذبذب في الخطاب السياسي: التهديد بالحرب وفتح باب التفاوض في الوقت ذاته قد يكون أسلوب ضغط، لكنه أيضاً يخلق ارتباكاً لدى الحلفاء والخصوم.
4. اعتراف صريح بعدم المعرفة: تصريح ترامب “ما أعلمه وتورطت” يسلط الضوء على غياب خطة واضحة، وهو ما نادر في السياسة الدولية لكنه يحدث أحياناً في الخطاب الترامبي.
والنتيجة هي أن تصريحات ترامب حول إيران تعكس حالة من التناقض بين الموقف الرسمي والرسائل المتفرقة، بين التهديد بالحرب وفتح باب التفاوض، بين حماية الحلفاء والسعي لتغيير النظام، وبين السيطرة على الموارد والمضائق وتدمير الدولة نفسها، وربما ان تورطه بالحرب كما يعترف هو قد جاء من جانب الحليف الصهيوني الذي تختلف اهدافه تماما عن أهداف العم " ترامب" .
الشرق الأوسط لم يعد أمام تحدٍ عسكري فقط، بل أمام تحدٍ في فهم السياسة الأميركية نفسها، حيث الحرب لا تدور فقط على الأرض، بل أيضاً في التصريحات. وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأكبرهو هل هذه التناقضات مجرد عرض سياسي، أم مؤشر على استراتيجية غير مكتملة، أم أنها نموذج من دبلوماسية الضغط القصوى التي تمزج بين التهديد بالحرب والهامش الدبلوماسي؟.