facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من زيتون البروة إلى مجد القصيدة: حكاية محمود درويش


د. غدير حميدان الزبون
13-03-2026 04:52 PM

في الجليل تتكئ التلال على زرقة البحر وتفوح رائحة الزعتر من بين حجارة الحقول، كانت هناك قرية صغيرة تُدعى البروة تستيقظ كلّ صباح على صوت الريح وهي تمرّ بين أشجار الزيتون. هناك، في صباحٍ من آذار عام 1941م وُلد طفل لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنّ اللغة ستتخذ من صوته وطناً، وأنّ الشعر سيجد فيه أحد أكثر حراسه إخلاصاً، كان اسمه محمود درويش.

لم تكن البروة يومها أكثر من قريةٍ وادعة على أطراف التاريخ، لكنّ القدر كان يخبّئ في أحد بيوتها حكاية ستتجاوز حدود المكان.

ففي تلك البيوت الحجرية التي كانت تتكئ على دفء العائلة وهدوء الحقول بدأ طفلٌ يصغي إلى العالم كما لو أنّ كل شيء فيه يصلح لأنْ يتحول إلى قصيدة ترتسم في خطى الأم في المطبخ، وفي صرير الباب الخشبي، وهدير الريح في المساء، وامتداد الحقول حتى حافة الضوء.

ثم جاءت الأعوام التي تغيّر فيها كل شيء، فانكسرت القرية تحت وطأة التاريخ، وتفرّقت الطرق بأهلها، لكنّ الطفل الذي خرج من البروة حملها معه سرّا صغيرا في القلب.

ومع مرور الأيام صارت القرية ذاكرةً، وصارت الذاكرة لغة، ومن تلك اللحظة بدأ الشاعر يتكوّن، ويعيد بناء وطنٍ كامل بالكلمات.
هكذا بدأت سيرة محمود درويش من قريةٍ محاطة بالزيتون، إلى قصيدةٍ أحاطت بالعالم.

هي سيرة شاعرٍ لم يكتفِ بأنْ يكتب عن فلسطين، وإنما جعلها تتكلم في صوته، وتتنفّس في قصيدته، وتعيش في اللغة كما تعيش الأرض في جذور شجرها.
في طفرة جينية استثنائية يولد بين شجيرات تلك القرية الزراعية الهادئة أحد أعمدة الشعر العربي الحديث، والذي صار اسمه مرادفاً لذاكرة وطن كامل.
كان اسمه محمود درويش، وكان ميلاده بداية قصةٍ ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر السير الأدبية تأثيراً في الثقافة العربية المعاصرة.

كانت البروة مشهداً أولياً لوعي الشاعر. هناك تعلّم الطفل معنى الأرض قبل أنْ يتعلم اللغة، ورأى أشجار الزيتون تمتد على التلال كأنها سلالةٌ من الصبر.
في تلك البيئة الريفية الأولى تشكّل الحس الشعري المبكر، واختلطت رائحة التراب بصوت الأم وهدوء الحقول.
لكنّ التاريخ كان يعدّ لذلك الطفل مصيراً مختلفاً.

ففي عام 1948م ومع اندلاع الحرب التي غيّرت وجه فلسطين دُمّرت البروة وهُجّر أهلها.
خرجت عائلة درويش مثل آلاف العائلات الفلسطينية في رحلة المنفى الأولى.
كان محمود آنذاك مجرد طفلٍ يراقب العالم وهو يتشقق أمام عينيه.
غير أنّ هذه التجربة المبكرة في حياته أصبحت البذرة التي سينمو منها مشروعه الشعري.

ظلّت القرية تسكنه حتى بعد أنْ غابت عن الجغرافيا، ولهذا عندما كتب لاحقاً قصيدته الشهيرة عن الأم بدا وكأنه يكتب عن الوطن أيضاً:
أحنُّ إلى خبزِ أمي
وقهوةِ أمي
ولمسةِ أمي
وتكبر فيَّ الطفولة
يوماً على صدر يوم
وأعشق عمري
لأني إذا متُّ
أخجل من دمع أمي

(قصيدة إلى أمي – ديوان عاشق من فلسطين).
في هذه الأسطر القصيرة تختلط الأم بالأرض، والحنين بالطفولة.

لقد كان درويش يدرك مبكراً أنّ الذاكرة قادرة على أنْ تعيد بناء الوطن في اللغة إذْ يتعذر وجوده في الواقع.

بعد سنواتٍ من النزوح عادت العائلة خلسة إلى الجليل، غير أنّ العودة لم تكن عودةً كاملة، فالقرية لم تعد قائمة، والطفل الذي عاد لم يعد كما كان.
عاش درويش في قرى الجليل تحت واقعٍ سياسي معقد، لكنه وجد في القراءة والكتابة ملاذاً مبكراً.

بدأ درويش يكتب قصائده الأولى في المدرسة، فكان الشعر بالنسبة له وسيلة لفهم العالم الذي تبدّل فجأة.

ومع مرور الوقت بدأت ملامح صوته الشعري تتشكل في صوت يجمع بين الحس الغنائي والوعي السياسي.

وفي بداية الستينيات ظهر اسمه بقوة في الصحافة الثقافية داخل فلسطين خصوصاً من خلال عمله في صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد.
لكنّ اللحظة الفاصلة في مسيرته جاءت عندما نشر قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية".

لقد شكّلت قصيدة "بطاقة هوية" إعلان ميلاد الشاعر أمام الجمهور العربي، فكانت قصيدة قصيرة نسبياً، لكنها حملت طاقة رمزية هائلة.
يقول فيها:

سجّل!
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟
سجّل!
أنا عربي
وأعمل مع رفاق الكدح في محجر
وأطفالي ثمانية
أسلّ لهم رغيف الخبز
والأثواب والدفتر
(قصيدة بطاقة هوية – ديوان أوراق الزيتون).

كانت هذه الكلمات أشبه ببيان وجودي للشاعر الذي كتب سيرة شعبٍ كامل في مواجهة المحو.
وقد تابع في القصيدة نفسها بنبرةٍ تحمل كرامة واضحة:

ولا أتوسل الصدقات من بابك
ولا أصغر
أمام بلاط أعتابك

هكذا ظهر محمود درويش في بداياته شاعراً للمقاومة، وصوتاً يعلن الهوية ويرفض النسيان.

ومع مرور الوقت تحولت البروة في شعر درويش من قريةٍ حقيقية إلى رمزٍ شعري، فصارت تمثل البيت الأول، والذاكرة الأولى، والبداية التي لا تنتهي.
لقد كتب عن القرية بطريقة جعلتها أكبر من جغرافيتها، فالزيتون في قصائده كان علامة على الجذور، والخبز بات رمزاً للحياة البسيطة التي يحرسها الإنسان بكرامته.

وفي كثير من نصوصه يعود إلى فكرة الأرض والعلاقة الوجودية، كما في قوله:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة:
على هذه الأرض سيدةُ الأرض
أمُّ البدايات أمُّ النهايات
كانت تسمى فلسطين
صارت تسمى فلسطين

(قصيدة على هذه الأرض ما يستحق الحياة – ديوان ورد أقل).

في هذه القصيدة يتجاوز درويش حدود الخطاب السياسي ليقدم رؤية إنسانية للجمال والحياة.

غادر درويش فلسطين في مطلع السبعينيات، وبدأت مرحلة جديدة في حياته، فعاش في القاهرة ثم بيروت وتونس وباريس متنقلاً بين عواصم متعددة، ومع كل انتقال كانت القصيدة تتسع أكثر.

وسرعان ما صار الوطن عنده فكرة فلسفية، والمنفى تجربة وجودية.

في تلك السنوات كتب نصوصاً أصبحت من أهم ما أنتجه الشعر العربي الحديث، ومن بين هذه النصوص قصيدته الملحمية "مديح الظل العالي" التي كتبها في سياق حصار بيروت.

يقول فيها:
بيروت خيمتنا
بيروت نجمتنا
بيروت شكل البحر والبر
بيروت تعب القلب
بيروت القصيدة
حين تكتب نفسها بالنار
(قصيدة مديح الظل العالي)

في هذه القصيدة تتحول المدينة إلى شخصية شعرية، وتصبح الحرب جزءاً من الملحمة الإنسانية.

وعلى الرغم من أنّ درويش عُرف بوصفه شاعر فلسطين، فإنّ قصائده كانت مليئة أيضاً بقصص الحب، لكنه حبّ معقد يتداخل فيه العاطفي بالتاريخي.
ففي قصيدته الشهيرة "ريتا والبندقية" يقول:

بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا
ينحني
ويصلّي
لإلهٍ في العيون العسلية

هذه القصيدة تحكي قصة حبٍ مستحيل، لكنها في الوقت نفسه تعكس التوتر بين الإنسان والتاريخ.
وفي الثمانينيات والتسعينيات دخل شعر درويش مرحلة جديدة من النضج الفني، فأصبحت لغته أكثر رمزية وتأملاً، وبدأت القصيدة تتجه نحو الأسئلة الوجودية الكبرى.

ومن أشهر ما قال في تلك المرحلة:
نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين
نرفع مئذنة للبنفسج بينهما
ونسرق من دودة القز خيطاً
لنصنع ثوباً لسماء جديدة
هذه الأسطر تقدم فلسفة كاملة للحياة، والتشبث بالجمال رغم المأساة.
في نهاية التسعينيات تعرّض درويش لوعكة صحية خطيرة، وبعد تجربة الاقتراب من الموت كتب واحدة من أعظم قصائده وهي "جدارية".

في هذه القصيدة يحاور درويش الموت بهدوء الشاعر الذي يرى الحياة من مسافة جديدة:
هذا هو اسمك
قالت امرأة
وغابت في الممر اللولبي
ثم يعلن انتصار الفن على الفناء:
هزمتك يا موتُ الفنون جميعها
(قصيدة جدارية)
إنها لحظة شعرية يتداخل فيها الوجودي بالفلسفي.
في سنواته الأخيرة كتب درويش نصوصاً قصيرة مكثفة أبرزها في كتاب أثر الفراشة.
في هذه النصوص تبدو لغته أكثر صفاءً واختزالاً.

يقول:
أثرُ الفراشة لا يُرى
أثرُ الفراشة لا يزول
إنها استعارة دقيقة عن أثر الشعر في العالم.

في التاسع من آب عام 2008 رحل محمود درويش في مدينة هيوستن بعد عملية جراحية في القلب، لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فما زالت قصائده تُقرأ وتُغنى وتُدرَّس في الجامعات.

لقد ترك أكثر من ثلاثين ديواناً شعرياً، وترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وأصبح أحد أبرز شعراء العصر الحديث، لكنّ إرثه الحقيقي يُقاس بتلك القدرة الفريدة على تحويل الألم إلى جمال.

وعندما نعود اليوم إلى قرية البروة مسقط رأسه الأول تبدو الحكاية أكبر من قرية وأكبر من شاعر.
لقد خرج درويش من تلك القرية طفلا صغيرا، لكنه عاد إليها في ذاكرة الشعر العربي كله.
وقد لخّص درويش علاقته بوطنه في جملةٍ قصيرة أصبحت شعاراً إنسانياً:
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافراً

هكذا بقي محمود درويش شاعراً جعل من اللغة وطناً، ومن القصيدة بيتاً للذاكرة، ومن الحنين فناً يخلّد الإنسان والأرض.
تمرّ السنوات، وتتبدّل المدن، ويغيب الشعراء كما تغيب النجوم البعيدة، لكنّ بعض الأصوات تبقى معلّقة في سماء اللغة لا تنطفئ.
هكذا بقي صوت محمود درويش صدى طويلا لقريةٍ ما زالت تتنفس في الذاكرة اسمها البروة.
لقد غادر الشاعر العالم ذات يوم غير أنّ القصيدة التي بدأها لم تنتهِ.

فما زالت كلماته تمشي بين الناس، وتعبر الأزمنة كما تعبر الريح حقول الجليل، وتعود كل مرة لتذكّرنا بأنّ الأرض التي تُكتب بالشعر لا يمكن أنْ تضيع.

كان درويش يعرف ذلك عندما قال:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

ولعل هذه العبارة خلاصة حياة شاعرٍ آمن بأنّ اللغة تستطيع أنْ تحفظ الذاكرة من الغياب، وأنّ القصيدة يمكن أنْ تكون بيتاً واسعاً يتّسع لوطنٍ كامل.

وهكذا، كلما مرّ يوم ميلاده يعود المشهد الأول من جديد لقرية صغيرة في الجليل، وطفل يولد بين الزيتون، وصوت خفي في المستقبل يقول إنّ هذه الحكاية لن تنتهي عند حدود القرية، وأنّها ستسافر بعيدا حتى تصبح قصيدة اسمها محمود درويش.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :