الخطاب الاستعراضي في زمن الحرب
سمير حمدان - بودابست
14-03-2026 02:18 AM
* تصريحات دونالد ترامب وإيران بين الردع والتهديد
تهديد بين السطور
في واحدة من أكثر العبارات إثارة للنقاش في التصريحات السياسية الأخيرة قال دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تستطيع تعطيل شبكة الكهرباء في إيران خلال ساعة واحدة فقط، وإن إعادة بنائها قد تستغرق خمسة وعشرين عاماً، ثم أضاف أن واشنطن لا تنوي استخدام هذا الخيار في الوقت الحالي، قد تبدو هذه العبارة أقرب إلى المبالغة السياسية أو إلى لغة الاستعراض، لكنها في الواقع تعكس تقليداً معروفاً في السياسة الدولية، استخدام الخطاب القوي كأداة ردع قبل أن يتحول إلى قرار عسكري، فالكلمات في زمن الأزمات ليست مجرد تصريحات بل رسائل محسوبة في لعبة القوة.
خطاب القوة
في الحروب لا تكون اللغة مجرد وصف للأحداث بل تصبح جزءاً من إدارة الصراع نفسه، القادة لا يخاطبون خصومهم فقط بل أيضاً الحلفاء والرأي العام الداخلي وحتى الأسواق المالية، عندما يعلن قائد دولة أن بلاده قادرة على شل البنية التحتية لدولة أخرى خلال ساعات فإن الهدف غالباً لا يكون تنفيذ التهديد بل التأثير في حسابات الخصم، الرسالة الضمنية بسيطة لكنها قاسية، كلفة التصعيد قد تكون مرتفعة إلى درجة تجعل المواجهة خياراً غير عقلاني.
جذور تاريخية
هذا النوع من الخطاب ليس جديداً في التاريخ السياسي، خلال الحرب العالمية الثانية استخدم Winston Churchill لغة قوية لتعبئة المجتمع البريطاني في مواجهة Adolf Hitler، وكانت خطاباته جزءاً من الحرب النفسية بقدر ما كانت تعبيراً عن موقف سياسي، في المقابل استخدم هتلر خطاباً تهديدياً هدفه إظهار القوة وترهيب الخصوم، وكانت خطاباته الجماهيرية محاولة لإقناع الداخل والخارج بأن ألمانيا قادرة على فرض إرادتها بالقوة.
الردع الخطابي
مع ظهور السلاح النووي في القرن العشرين أصبحت اللغة السياسية أداة استراتيجية أكثر حساسية، ففي عالم يمكن أن يؤدي فيه التصعيد إلى دمار متبادل أصبحت الكلمات نفسها جزءاً من منظومة الردع، وقد أشار المفكر الاستراتيجي Thomas Schelling في كتابه
The Strategy of Conflict (استراتيجية الصراع) إلا أن التهديد في السياسة الدولية لا يهدف دائماً إلى استخدام القوة بل إلى تغيير سلوك الخصم دون إطلاق النار، بهذا المعنى قد تكون اللغة القوية أداة لتجنب الحرب لا لإشعالها.
الإعلام والسياسة
في عصر الإعلام الفوري تنتقل التصريحات السياسية بسرعة غير مسبوقة، جملة واحدة قد تتحول إلى عنوان عالمي خلال دقائق وقد تؤثر في الأسواق أو في المزاج السياسي العام، لهذا أصبح الخطاب السياسي جزءاً من إدارة الصورة الدولية بقدر ما هو جزء من إدارة الصراع، فالقادة لا يخاطبون الخصوم فقط بل يخاطبون أيضاً جمهورهم الداخلي.
سقوط الأنظمة
عند سماع تصريح مثل تعطيل شبكة الكهرباء لدولة كاملة خلال ساعة يبرز سؤال مباشر، هل يمكن لمثل هذه الضربة أن تسقط نظاماً سياسياً، التجربة التاريخية تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيداً، فالدول قد تتعرض لضربات قاسية للبنية التحتية ومع ذلك تبقى أنظمتها قائمة إذا لم يحدث انهيار داخلي في مؤسسات الدولة، خلال حرب الخليج تعرض العراق لقصف واسع ومع ذلك بقي نظام صدام حسين في الحكم لسنوات طويلة بعد الحرب.
أثر معاكس
في بعض الحالات قد يؤدي التهديد الخارجي إلى نتيجة معاكسة، عندما تشعر المجتمعات بأن بلدها يتعرض لتهديد وجودي قد تميل إلى الالتفاف حول قيادتها السياسية حتى لو كانت تعاني من أزمات داخلية، ولهذا يرى كثير من الباحثين أن الخطاب المبالغ في حدته قد يمنح الأنظمة المستهدفة فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي بدلاً من إضعافها.
الحرب السردية
في الصراعات المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط بل أصبحت أيضاً معركة على الرواية السياسية، الدول تحاول فرض تفسيرها للأحداث على الرأي العام العالمي، في هذا السياق يصبح الخطاب الاستعراضي جزءاً من الصراع على سردية الحرب، من يمتلك الشرعية ومن يستطيع فرض الردع، وقد تناولت المؤرخة Margaret MacMillan هذه الفكرة في كتابها War: How Conflict Shaped Us (الحرب: كيف شكّلت الصراعات عالمنا) حيث تشير إلى أن الحروب الحديثة تُخاض أيضاً عبر السرديات السياسية التي تمنحها الشرعية أمام العالم.
قراءة واقعية
إذا نظرنا إلى الصراعات المعاصرة بواقعية سياسية يتضح أن الخطاب الاستعراضي لا يضمن نصراً حاسماً لأي طرف، قد يرفع مستوى الردع أو يؤثر في الرأي العام لكنه لا يغير وحده موازين القوة، فالنتائج النهائية للحروب تتحدد عادة بعوامل أعمق مثل الاقتصاد واستقرار المؤسسات السياسية والقدرة على إدارة الصراع لفترات طويلة، وهي أفكار تتقاطع أيضاً مع ما طرحه عالم العلاقات الدولية Kenneth Waltz في كتابه Theory of International Politics (نظرية السياسة الدولية) حول طبيعة التوازنات في النظام الدولي.
وفي الصراع الحالي مع إيران يبدو واضحاً أن التصريحات الاستعراضية وحدها لا تكفي لتغيير توازنات النظام الدولي، فإذا لم يسقط النظام الإيراني وإذا لم تنته الحرب بقرار سياسي فقد تجد القوى المتصارعة نفسها أمام نتيجة مألوفة في تاريخ الحروب، صراع مكلف يعيد ترتيب التوازنات لكنه لا يمنح أحداً نصراً حاسماً، وربما يكشف مرة أخرى حقيقة قديمة في السياسة الدولية، أن الكلمات قد تشعل الحروب أو تؤجلها لكنها نادراً ما تحسمها.