السلط تستنهض ذاكرتها .. نداءُ الوفاء لبيوتها التراثية (5)
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
14-03-2026 01:05 PM
* حملة استعادة النضارة
تعد مدينة السلط واحدة من أهم المدن ذات السمات الإنسانية المتاصلة ، والإمتدادات الحضارية المتواترة ، والأبعاد المجتمعية المتاّلفة (القائمة على مبادئ وممارسات السلم والمجتمعي والعيش المشترك) التي افرزت العديد من التأثيرات الجوهرية المهمة ، وانتجت مردودا ثقافيا وكنزا عمرانيا بشخصيته الحضرية المتميزة التي لاتقدر بثمن ، الامر الذي ساهم وبشكل واضح في انتاج وتطوير مختلف مناحي حياة مجتمعنا الأردني المتميز ودفعه نحو تحقيق تطلعاته
فالسلط ضاربة في عمق التاريخ ، فهي المدينة التي احتضنت حقبا تاريخية متعددة ، واخرها كانت الحقبة العثمانية (1516-1918) التي برزت بصماتها الاستثنائية بين جنبات أحياء (محلات) المدينة وأدراجها وأزقتها وساحاتها القديمة ، وتركت علامات فارقة على أبنيتها التراثية المبنية من الحجر الأصفر الذي شكل (وما زال يشكل الى يومنا هذا) هويتها البصرية ذات الخصوصية التي لانظير لها في مدننا الأردنية ، حيث عكست هذه الأبنية التراثية تاريخا ناشبا بالعراقة ، وموروثا حضريا تميز بمحتواه الغني المتألق ، ومخرجات ثقافية وأنماط شعبية ملفتة للنظر ، أظهرت وقائع واحداثا مازالت الأجيال تتناقلها وتفتخر بها الى يومنا هذا
فهذه الأبنية ليست مجرد جدران بنيت بأحجار صفراء جامدة مصمتة ، بل هي ذاكرة مكان وهوية مجتمع يعتز بماضيه ويؤمن بحاضره ، وشاهد حي على مراحل التطور الحضري والثقافي والعمراني لمدينة السلط ، ومن هذا الباب فإن الحفاظ على نظافة الأبنية التراثية و وترتيب محيطها ، لا يعد مجرد سلوك ذاتي او ممارسات فردية تطوعية عابرة ، بل هي مسؤولية وطنية والتزام أخلاقي سيسهم بالتأكيد في صون الإرث التاريخي للمدينة والحفاظ على مقدراتها ، ورفع شأنها والتعزيز من مكانتها على مختلف المستويات السياحية والثقافية والوطنية ، وترسيخ صورتها المشرقة كإحدى أهم المدن التراثية الأردنية
ومن هنا استطيع القول بأن واجب الحفاظ على نظافة الأبنية التراثية وترتيب محيطها لا يقتصر على جهة دون أخرى ، وإنما هي مسؤولية مشتركة يجتمع فيها القطاعان العام والخاص وتتكامل ابعادها عند الأخذ بها من قبل الجهات المعنية والكيانات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية ذات العلاقة ، بالتعاون مع الأهالي وبالتنسيق مع أصحاب تلك الأبنية ومستخدميها ، عبر إطلاق حملة "استعادة النضارة" (التي اشرت اليها في مقالي السابق) من أجل وضع تلك الأبنية في بيئة نظيفة تمتاز بالترتيب والاستدامة وإمكانية الصمود ، فهذا التكامل والتعاون والتنسيق بين جميع الفرقاء سيمكن من إبقاء هذا الكنز الحضاري شاهدا حيا على تاريخ مدينة السلط ، ومصدرا ثريا مملوءا بالفخر والاعتزاز بمكنوناته التراثية القادرة على إلهام الأجيال القادمة وإثراء ثقافتها وتعزيز امكانياتها ، ليظل هذا الكنز الحضاري منارة مضيئة شامخة تعكس أصالة المدينة وروحها المتجددة
فلنجعل من حملة "استعادة النضارة" رسالة انتماء تؤكد بأن السلط قادرة على حماية ذاكرتها ، والحفاظ على مخزونها التراثي بتظافر جهود الغيورين عليها وتضامنهم ، ولنجعل من الحملة قاعدة انطلاق يجب تفعيلها في اقرب فرصة ممكنة
وللحديث بقية