الصراع على مركز القوة في الشرق الأوسط: هل من تفكير لنموذج جديد للأمن الإقليمي العربي؟
د. موسى الرحامنة
14-03-2026 08:29 PM
لم تعد حروب اليوم كما كانت في الأمس؛ تتحرك فيها الجيوش على الجبهات وتنطلق فيها أصوات المدافع؛ فالحروب المعاصرة أصبحت أكثر تعقيداً وعمقاً، وتُدار في كثير من الأحيان بعيداً عن الأضواء وفي مستويات خفية من الصراع، بينما تمتد آثارها لتطال الاقتصاد والسياسة والأمن في آن واحد؛ وهذا إلى حد كبير ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، حيث تتكشف ملامح مواجهة ممتدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ حرب بلا إعلان رسمي، لكنها تمضي ببطء وثبات نحو إعادة تشكيل توازنات المنطقة.
وفي هذا السياق يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط باعتباره نموذجاً واضحاً لما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ "حرب الظل"؛ وهي حالة من الصراع غير المعلن بين القوى المتنافسة تُدار بوسائل غير مباشرة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة؛ فالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لا تُخاض عبر جبهات تقليدية مفتوحة، بل عبر شبكة معقدة من أدوات الضغط والتأثير: عمليات استخباراتية، وهجمات سيبرانية، وضربات عسكرية محدودة، وصراع نفوذ يمتد عبر أطراف إقليمية متعددة؛ وبهذه الطريقة تتحول المنطقة إلى مسرح صراع منخفض الحدة لكنه طويل الأمد، حيث يسعى كل طرف إلى تعديل ميزان القوة لصالحه دون تجاوز الخط الذي قد يقود إلى حرب واسعة يصعب التحكم في تداعياتها.
ومع ذلك، فإن فهم ما يجري في الشرق الأوسط يتطلب تجاوز التفسيرات السطحية التي تحصر هذا الصراع في ملف نووي أو توتر سياسي طارئ؛ فالمواجهة الدائرة اليوم لا يمكن اختزالها في صدام عسكري تقليدي أو أزمة دبلوماسية عابرة؛ بل هي في جوهرها صراع على شكل النظام الإقليمي الذي سيسود المنطقة، أو ما كان يُروَّج له منذ عقود تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد"؛ فالمسألة في حقيقتها تعود إلى صراع عميق على ميزان القوة في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
فقد سعت الولايات المتحدة طوال العقود الماضية إلى الحفاظ على نظام إقليمي يقوم على تفوق عسكري إسرائيلي واضح، وعلى توازنات أمنية تحمي طرق الطاقة العالمية وتمنع في الوقت ذاته ظهور قوة إقليمية قادرة على تحدي هذا الترتيب، وفي المقابل؛ حاولت إيران خلال العقود الأخيرة بناء مجال نفوذ إقليمي يتيح لها الخروج من هذا الإطار، والسعي إلى كسر الاحتكار التقليدي للقوة في المنطقة.
وفي هذا السياق أصبح البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز محركات الصراع؛ فامتلاك إيران لقدرة نووية يعني تحولاً جوهرياً في ميزان القوى الإقليمي؛ وبالنسبة لإسرائيل لا يُنظر إلى هذا الاحتمال بوصفه مجرد تطور استراتيجي، بل باعتباره تهديداً وجودياً يستدعي منعه بأي ثمن؛ ومن هنا تتداخل الحسابات العسكرية بالتقديرات السياسية، ليصبح الملف النووي نقطة اشتعال دائمة في العلاقة بين الأطراف الثلاثة.
لكن الصراع لا يتوقف عند حدود التكنولوجيا النووية، بل يمتد إلى الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة؛ فالشرق الأوسط ليس مجرد فضاء سياسي متنازع عليه، بل عقدة جغرافية تتحكم في أهم احتياطيات الطاقة في العالم، وتطل على ممرات بحرية حيوية تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة العالم؛ ولهذا فإن أي تغيير في توازن القوة في هذه المنطقة لا يبقى شأناً إقليمياً فحسب، بل يتحول فوراً إلى قضية دولية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية واسعة.
ورغم التصعيد المستمر، فإن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة ستكون كارثية. فاندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط يعني اضطراباً واسعاً في أسواق الطاقة العالمية، وتوسعاً سريعاً للصراع إلى أكثر من ساحة إقليمية، وربما انخراط قوى دولية كبرى في المواجهة؛ ولهذا السبب تُدار هذه الحرب في مستوى محسوب من التصعيد، حيث تتحول المنطقة تدريجياً إلى مسرح لحرب استنزاف طويلة الأمد؛ حرب لا يُراد لها أن تنفجر بالكامل، ولا يُسمح لها في الوقت ذاته بأن تنتهي.
وسط هذه المعادلة المعقدة يقف الخليج العربي في قلب التوازنات الأمنية الجديدة؛ فهذه المنطقة ليست مجرد رقعة جغرافية في الشرق الأوسط، بل هي مركز النظام العالمي للطاقة، حيث تتقاطع مصالح الدول الكبرى مع المصالح الإقليمية؛ وبالتالي فإن أي اضطراب أمني في الخليج لن يبقى محصوراً داخل حدوده، بل سيمتد أثره فوراً إلى الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة العالمية.
ومن هنا تأتي حساسية أي تصعيد عسكري أو أمني في هذه المنطقة، سواء تعلق الأمر بتهديد طرق الملاحة البحرية، أو بتطور أدوات الحرب غير التقليدية مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو حتى بتحول أسواق الطاقة نفسها إلى ساحة ضغط جيوسياسي.
ومع ذلك فإن دول الخليج ليست مجرد متلقٍ سلبي لتداعيات الصراع؛ فهذه الدول تمتلك عناصر قوة مهمة، في مقدمتها الثقل الاقتصادي العالمي، وشبكة العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى، إضافة إلى قدرات متزايدة على تطوير منظومات دفاعية متقدمة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك أدوات القوة، بل في كيفية توظيفها ضمن رؤية أمنية إقليمية أكثر تماسكاً.
أما الأردن، الذي قد يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن مسرح التوترات الخليجية، فإنه في الحقيقة يقع عند تقاطع حساس بين عدة ملفات إقليمية. فموقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام، كما أنه يمثل نقطة استقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وهذه الخصوصية تمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حجمه الجغرافي، وتجعله أكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب في الإقليم، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو حتى فيما يتعلق بحركة التجارة والطاقة.
ولهذا فإن استقرار الأردن لا يمكن النظر إليه باعتباره مسألة محلية بحتة، بل هو جزء من معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع؛ فالدول التي تقع على خطوط التماس الجيوسياسية غالباً ما تكون الأكثر حساسية تجاه التحولات الكبرى في ميزان القوى.
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم لا يتمثل فقط في احتمال اندلاع حرب شاملة، بل في احتمال تحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين القوى الإقليمية والدولية. فالحروب الطويلة منخفضة الحدة قد تكون في كثير من الأحيان أكثر خطورة من الحروب القصيرة، لأنها تستنزف الاقتصاد، وتعمق الانقسامات السياسية، وتعرقل مسارات التنمية والاستقرار.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن للدول العربية أن تتحول من ساحة لهذا الصراع إلى طرف فاعل في صياغة توازناته؟
إن التحولات الجارية في النظام الدولي، مع تراجع الأحادية القطبية وصعود تعددية القوى، تفتح المجال أمام التفكير في نموذج جديد للأمن الإقليمي العربي يقوم على تعزيز التكامل الأمني، وتنويع التحالفات الدولية، وبناء قوة اقتصادية قادرة على دعم الاستقلال الاستراتيجي، إضافة إلى الاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية التي أصبحت أحد أعمدة الحروب الحديثة.
إن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد تستمر سنوات طويلة، وربما عقوداً؛ لكن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي لا يكمن في انتظار نهاية هذه الحرب، بل في كيفية إدارة آثارها؛ فالمنطقة تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبقى ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى، أو أن تتحول إلى قوة إقليمية قادرة على صياغة أمنها الجماعي.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة غير مسبوقة، قد يكون بناء شبكة تحالفات عربية مرنة وقادرة على التكيف مع هذه التحولات هو الضمانة الأهم لمستقبل أكثر استقراراً في الخليج والأردن، وفي الشرق الأوسط كله.