facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من لا يقرأ التاريخ… يُفاجَأ بما كان متوقعًا


محمد مطلب المجالي
07-03-2026 09:55 PM

في عالم السياسة لا تُقرأ الأحداث كما تبدو في ظاهرها، بل كما تُرسم في غرف التخطيط البعيدة عن الأضواء. ومن بين أكثر الشخصيات إثارة للجدل في قراءة مستقبل المنطقة كان الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر، الذي نُسبت إليه تحليلات وتوقعات مبكرة حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، خصوصاً الدول الغنية بالنفط.

لقد تحدثت تحليلات كثيرة عن رؤية استراتيجية تقوم على السيطرة غير المباشرة على منابع الطاقة في المنطقة، باعتبارها عصب الاقتصاد العالمي ومفتاح النفوذ الدولي. وفي تلك الرؤية، لم تكن الدول العربية الغنية بالنفط مجرد كيانات سياسية مستقلة، بل جغرافيا استراتيجية تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى. فحيث يوجد النفط، تتكثف الحسابات، وتتقدم الجيوسياسة على المبادئ والشعارات.

وقد أشارت بعض تلك القراءات إلى سيناريو يتم فيه إخضاع أو إضعاف عدد من الدول العربية المؤثرة، بهدف إعادة ترتيب ميزان القوى وضمان استمرار السيطرة على مصادر الطاقة. فالنفط لم يكن يوماً مجرد سلعة اقتصادية، بل ظل دائماً ورقة ضغط، وأداة نفوذ، ومفتاحاً للتحكم في مسارات السياسة الدولية.

وفي قلب هذه المعادلة برزت إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. فالصراع معها لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل صراع على النفوذ والهيمنة في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية. ومن هنا جاءت التوقعات بأن تكون إيران هدفاً لضغوط قاسية أو مواجهات تهدف إلى تحجيم دورها وإعادة رسم حدود تأثيرها.

غير أن الأخطر من كل ذلك أن مثل هذه السيناريوهات لا تُنفَّذ دائماً عبر الحروب المباشرة فقط، بل قد تُدار عبر الفوضى السياسية، والضغوط الاقتصادية، وإشعال الصراعات الداخلية، وإضعاف الدول من داخلها قبل مواجهتها من الخارج. إنها سياسة الاستنزاف البطيء التي تُرهق الدول حتى تفقد توازنها.

لكن المشكلة الكبرى ليست في تلك المخططات وحدها، بل في أننا – كأمة – كثيراً ما لا نقرأ التاريخ قراءة واعية، ولا نتدبر دروسه كما ينبغي. فالتاريخ ليس صفحات تُطوى، بل خبرات متراكمة تكشف كيف تُدار الصراعات وكيف تتغير الخرائط.

إن كثيرين منا يمرون على التاريخ مرور العابرين، لا يتوقفون عند محطاته ولا يتأملون في عبره. ولو أننا دققنا في أحداثه، لوجدنا أن ما يحدث اليوم ليس مفاجئاً كما نظن، بل امتداداً لمسارات قديمة تتكرر بأشكال جديدة.

فكم من إمبراطوريات قامت على أطماع الثروة ثم انهارت، وكم من دول ظنت أنها بعيدة عن دائرة الاستهداف فإذا بها تجد نفسها في قلب العاصفة. إن التاريخ يعلمنا أن المصالح الكبرى لا تعرف الصداقات الدائمة، بل تعرف فقط موازين القوة ومصادر الثروة.

ومن المؤسف أن كثيراً من الشعوب لا تنتبه إلى تلك الحقائق إلا بعد أن تتكشف الأزمات وتشتعل الصراعات. وحينها يصبح الندم بلا جدوى، لأن الأحداث تكون قد سبقت الجميع بخطوات طويلة.

إن قراءة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية وسياسية. فمن خلاله نفهم كيف تُدار الدول، وكيف تُبنى التحالفات، وكيف تتحول الثروات أحياناً إلى سبب للصراع لا إلى مصدر للرخاء.

وهنا تبرز حقيقة سياسية قاسية لا يحب كثيرون الاعتراف بها، وهي أن العالم لا يحترم الضعفاء. فالدولة التي لا تمتلك عناصر القوة تبقى عرضة للضغوط والتدخلات، ولا يكون لصوتها وزن في موازين السياسة الدولية. فالضعيف – كما يقول أهل السياسة – ليس له مقام، ولا يُسمع له مقال، ولا يُؤخذ برأيه حين تتقاطع المصالح الكبرى.

وفي خضم ما يمر به الشرق الأوسط من اضطرابات وتبدلات متسارعة، يبقى السؤال الأهم: هل نتعلم من دروس التاريخ قبل أن تعيد الأحداث نفسها بصورة أكثر قسوة؟

إن الأمم التي لا تقرأ تاريخها جيداً تبقى دائماً في موقع المفاجأة، أما الأمم التي تتأمل الماضي وتفهم مساراته فهي الأقدر على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

فالتاريخ – لمن يتأمله – ليس مجرد حكاية عن الماضي، بل مرآة صادقة تكشف ملامح المستقبل، وتقول لنا بوضوح:

من لا يقرأ التاريخ… سيعيش أخطاءه من جديد، ومن لا يمتلك القوة لن يجد من يصغي إلى صوته في عالم تحكمه المصالح قبل كل شيء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :