facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دوائر بخارست .. رؤية نقدية لمجموعة مصطفى القرنه بوخارست قبل أن تصرخ


17-03-2026 05:48 PM

عمون - بقلم الناقدة منال العبادي - يتخذ عنوان "بخارست قبل أن تصرخ" موقعاً استراتيجياً بصفته نصاً موازياً يحمل البرنامج السردي والفلسفي للعمل بأكمله، حيث يمكن تفكيك بنيته السيميائية إلى ثلاثة عناصر أساسية تتفاعل لتخلق معادلة دلالية محكمة؛ فـ"بخارست" لا تظهر مجرد خلفية جغرافية للعاصمة الرومانية في حقبة الثمانينيات، بل تتحول عبر أنثروبومورفيا متقنة إلى شخصية رئيسية فاعلة تتجلى في صور متعددة: المدينة-الجسد الذي يتنفس ويراقب ("بوخارست ترقب، تنتظر شيئاً لا تسميه"، "المدينة تتنفس من خلالي")، والمدينة-السجن الذي يحول شوارعه إلى متاهات وأبوابه إلى مصائد لا مفر منها ("بوخارست لا تطلق سراح أحد").

والمدينة-المرآة التي تعكس هويات سكانها لكنها تعكسها مشوهة مسروقة مكرورة، لتتحول بخارست بذلك من مكان عادي إلى علامة سيميائية تحيل إلى القمع والاغتراب وفقدان الهوية، بينما تشكل "قبل أن" عتبة سيميائية حاسمة تحول الزمن الخطي إلى زمن دائري متجمد، فتخلق لحظة الكبت حيث يتراكم الغضب والخوف والوجع في زمن يسبق الانفجار، والترقب الوجودي حيث تعيش الشخصيات في انتظار دائم للطرق على الباب أو القطار أو الصرخة التي لا تأتي، لتتحقق المفارقة السيميائية الكبرى حين تصبح "قبل أن" هي الزمن الوحيد فلا يأتي "بعد أن" أبداً، وتظل الصرخة معلقة أو تتحقق بشكل مشوه كهمس أو نباح أو كتابة على جدار، وأما "تصرخ" فتمثل دالاً عائماً يتنقل بين تجليات متعددة للفعل المستحيل، فتارة تظهر كصرخة مكبوتة يعجز فيها اللسان فيصرخ الجسد ("أمعائي لا تكف عن إصدار هذه الأصوات")، وتارة تتجسد في أشكال غير صوتية كاهتزاز الجدران ونباح الكلاب بأصوات بشر وكتابات الجدران والعيون الزجاجية، وتارة أخرى تتحول إلى صرخة المكان حيث تصبح المدينة نفسها هي التي تصرخ أو توشك أن تصرخ كما تتجسد في شخصية "بوخارست خرساء" العجوز التي فقدت صوتها، ليخلق هذا التركيب السيميائي معادلة دقيقة: بخارست (المكان القامع) + قبل أن (الزمن الممتد) + تصرخ (الفعل المستحيل) = نص عن الاغتراب في زمن القمع، وهو ما يتكامل عضوياً مع الحبكة الدائرية اللولبية التي لا تعتمد على بناء خطي تقليدي، بل على دوائر متداخلة تعيد الشخصيات إلى نقطة البداية بعد كل رحلة لكن محملة بمزيد من الخوف والغموض، فتتجلى دوائر العودة الأبدية حيث يستيقظ ماركو في "العائد من الحلم" مراراً ليكتشف أنه ما زال نائماً أو أنه عاد لكنه ليس هو نفسه، وتتكرر العودة إلى المبنى نفسه (معهد النوم، الغرفة رقم 6، الشقة رقم 11) وإلى نقطة الصفر ("لقد عدت إلى نقطة الصفر... يبدو أن الرغيف لم يكن كافياً")، وتتشكل دوائر المراقبة كحلقة مفرغة حيث كل شخصية تراقب الأخرى والجميع مراقبون من المدينة والمدينة نفسها مراقبة من نظام غامض ("في بوخارست لا تخط خطوة دون أن تعرف أن هناك من يراقبك من الظلال")، وتنسج دوائر الأبواب والممرات متاهة لا متناهية حيث باب يفتح على ممر لا ينتهي وممر يقود إلى باب آخر وباب يعيدك إلى حيث بدأت ("في بوخارست، بعض الأبواب لا تُفتح لتخرج منها... بل لتدخلك... إلى ظلك")، وتتجمد دوائر الزمن في ساعات متوقفة ("الساعة تشير إلى الثالثة دائماً") وأيام تعيد نفسها ("نحن لا نعيش هنا... نحن نُعاد. كل ليلة. منذ 25 سنة") وفصول لا تتقدم ("الخريف لا يغفر")، بينما تدور دائرة الهوية المفقودة في بحث لا ينتهي عن الذات في مرايا لا تعكس الوجه أو تظهر نسخاً أخرى أو تكشف عن ملفات سرية ("في المرآة، كنت أرى وجهي. لكن خلفي... كان يقف شخص آخر، دائماً في الزاوية، لا يتحرك. لا يبتعد")، لتؤدي هذه الحبكة الدائرية وظائف دقيقة في تأكيد عبثية الخلاص حيث كل محاولة للهرب تعيدك إلى نقطة البداية، وخلق إحساس بالاختناق حيث الدائرة تضيق كلما تقدمت الشخصيات كما في مشهد "الطابق الناقص"، ومحاكاة الكابوس عبر الأحلام المتكررة والاستيقاظ الزائف، وتمثيل آلية القمع حيث النظام الشمولي هو دائرة مفرغة من المراقبة والإبلاغ، لتتحقق بذلك مواطن قوة أساسية تتمثل في خلق إحكام بنيوي ينسجم مع مضمون الرواية وتعميق الإحساس بالاغتراب والعجز ومنح النص بعداً أسطورياً يستدعي أسطورة العود الأبدي، رغم ما قد يشوب هذه الحبكة من مواطن ضعف تمثل في إيقاع القارئ في إحساس بالتكرار والرتابة أحياناً، وغياب الذروة الدرامية الذي قد يحرم القارئ من "التحرر" الذي تنتظره الشخصيات، وتكرار بعض الدوائر دون إضافة جديدة خاصة دوائر المراقبة والمرايا، ليأتي التكامل بين العنوان والحبكة الدائرية كثنائية دلالية متكاملة حيث يعلن العنوان "قبل أن تصرخ" الدخول في دائرة الانتظار الأبدي، وتنفذ الحبكة الدائرية هذا الإعلان عبر دوران الشخصيات في حلقة "قبل أن" دون أن تبلغ "تصرخ" أبداً، ويعمل كلاهما على تعليق التحرر عبر تعليق لغوي بظرف زمان لا يأتي وتعليق سردي بعودة مستمرة تمنع الوصول، ليتحقق بذلك انسجام عضوي بين شكل الرواية ومضمونها، وبين بنيتها العميقة وسطحها اللغوي، لتقدم الرواية واحدة من أكثر التجارب السردية إحكاماً في تصوير اغتراب الإنسان تحت وطأة القمع الشمولي، حيث تصبح المدينة كابوساً لا يستيقظ منه أحد، والزمن حلقة مفرغة لا تنكسر، والصرخة أبدية الانتظار لا تتحقق.

تستحق رواية "بخارست قبل أن تصرخ" لمصطفى القرنة موقعاً متقدماً في مكتبة أدب المدينة الكابوسي والرواية المضادة للمدينة الفاضلة، لتكشف عن حوار خفي مع أعمال عالمية كبرى تتقاطع معها في الهواجس والرؤى وتختلف عنها في الأدوات والتجليات؛ فمع "1984" لجورج أورويل يشكل موضوع المراقبة الشمولية نقطة التقاطع الأبرز، لكن حيث تكون المراقبة عند أورويل خارجية وآلية تمارسها شاشات "الأخ الأكبر" وسلطة الحزب المرئية، تتحول عند القرنة إلى مراقبة أنطولوجية تتسرب إلى نسيج الوجود ذاته، فليست كاميرات تراقب بل جدران تتنفس وعيون تظهر في الجص، وليس حزباً يراقب بل مدينة بكاملها تتحول إلى كائن مراقب، وليس الخوف من التفكير بل الخوف من أن تكون نفسك لأن هويتك قد تكون مسروقة أو مكرورة، ليذهب القرنة إلى ما هو أعمق من أورويل إذ لم تعد المراقبة بحاجة إلى أجهزة لأن المدينة نفسها أصبحت جهاز مراقبة متكاملاً، فيصور جحيم الحاضر الممتد لا جحيم المستقبل، جحيماً لا يأتي من الغد بل من عمق المكان والذاكرة، ومع "القلعة" لفرانز كافكا تتقاسم الروايتان بناء المتاهة البيروقراطية لكن كافكا يبنيها أفقية ومؤسساتية حيث البطل يحاول الوصول إلى القلعة فلا يصل أبداً، بينما يبنيها القرنة عمودية ونفسية حيث البطل لا يحاول الوصول إلى السلطة بل يحاول الهرب من المدينة ليكتشف أن المدينة ليست خارجه بل داخله، فيصوّر كافكا عجز الإنسان عن الوصول بينما يصوّر القرنة عجز الإنسان عن الخروج، لتتحول المتاهة عنده من طريق مسدود إلى الأعلى إلى هوة سحيقة إلى الأسفل حيث الهوية نفسها تدفن في ملفات سرية، ومع "الغريب" لألبير كامو يبدو أبطال الروايتين غرباء عن أنفسهم وعن العالم لكن الاغتراب عند كامو ناتج عن فلسفة وجودية ميتافيزيقية بينما هو عند القرنة ناتج عن سياسة قمعية، فينجح القرنة في تسييس الاغتراب الوجودي فيجعل من القمع السياسي مصدراً للعبثية الوجودية وتصبح بخارست تجسيداً للعبث ذاته لكنه عبث مصنوع مقصود ممنهج، ومع "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز تستخدم الروايتان الزمن الدائري لكن ماركيز يوظفه ليعبر عن أسطورة العود الأبدي وتكرار التاريخ في ماكوندو بينما يوظفه القرنة ليعبر عن كابوس القمع المتجدد وأيام تعيد نفسها وساعات متوقفة ومواسم لا تتقدم، ورغم أن ماركيز يقدم الخلاص الأسطوري في النهاية بتمحو ماكوندو بالريح، فإن القرنة لا يقدّم خلاصاً إذ تبقى دوائره مغلقة إلى الأبد وتدور الشخصيات في "قبل أن" الأبدي دون أن تبلغ "تصرخ" أبداً في تجسيد لمأساة القمع الذي لا أفق له، ومع "الرجل الخفي" لإلياس خوري تقترب الرواية بقوة من أدب الهوية المشظاة حيث التشظي عند خوري ناتج عن احتلال ومحو وهوية تبحث عن نفسها في خرائط ممحوة، بينما هو عند القرنة ناتج عن مدينة-مرآة تكرر الوجوه حتى تفقد معناها وعن نظام ينتج نسخاً من البشر ويخزنها في طوابق تحت الأرض، ليضيف القرنة بعداً سريالياً كابوسياً حيث الهوية لا تضيع فقط بل تُسرق وتُخزن وتُعاد إنتاجها والمدينة لا تمحو الوجوه بل تخلق منها متحفاً سرياً تحت الأرض؛ وفي خضم هذه المقارنات تتجلى ملامح تفرد الرواية: أولاً، تقديم المدينة-الجسد حيث تتحول بخارست من خلفية أو فضاء إلى شخصية بكل ما للكلمة من معنى، بينما قدم أورويل المدينة-السجن وكافكا المدينة-المتاهة وماركيز المدينة-الأسطورة، يقدم القرنة المدينة-الكائن التي تتنفس وتراقب وتأكل سكانها؛ ثانياً، ابتكار الطوابق السفلية كـ"الطابق صفر" و"معهد النوم" و"أرشيف الحقيقة" التي تضيف بعداً جوفياً للرواية حيث لا تكتفي المدينة بقمع سكانها فوق الأرض بل تخزن نسخهم وتحفظ أسرارهم في أعماقها؛ ثالثاً، أسطرة اليومي عبر تحويل الخبز إلى عهد مع الموت والمرآة إلى سارقة هوية والبيضة المسلوقة إلى شاهد على اختفاء والقطار إلى رحلة أبدية بلا نهاية، وهي بصمة القرنة الخاصة؛ رابعاً، ابتكار الصرخة المعلقة كحالة وجودية دائمة حيث لا تتحقق الصرخة أبداً، ففي "1984" هناك لحظة تمرد ولو فاشلة، وفي "القلعة" هناك محاولة مستمرة، أما هنا فلا تمرد ولا محاولة فقط ترقب أبدي لصرخة لا تأتي؛ خامساً، الأنثروبومورفيا المفرطة حيث تصل المدينة إلى درجة مدهشة من التجسيد فتصبح أماً تأكل أبناءها ("الدولة تأكل أبناءها... ثم تتجشأ النشيد الوطني") وعجوزاً خرساء تنتظر ("بوخارست خرساء") ووحشاً يبتلع ("كأن المدينة نفسها قررت أن تبتلعني") وجسداً يتنفس ("المدينة تتنفس من خلالي")؛ وإذا كان أدب المدينة الكابوسي قد قدم لنا مدينة أورويل: مدينة الشاشات والمراقبة، ومدينة كافكا: مدينة القلاع والمتاهات البيروقراطية، ومدينة ماركيز: مدينة الأسطورة والتكرار الأبدي، فإن مدينة القرنة تقدم لنا مدينة الجسد المبتلع، المدينة التي تتحول إلى كائن حي تتنفس من رئات سكانها وترى بعيونهم وتخزن نسخهم في أقبيتها السرية، مدينة لا تقمع فقط بل تهضم، لا تراقب فقط بل تأكل، وهذا هو جوهر إضافتها النوعية إلى هذا الحقل الروائي العالمي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :