facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الشهداء المواجدة والرقب والدويكات .. ما أصعب أن تشرح لطفل أن أباه لن يعود


إبراهيم قبيلات
18-03-2026 11:22 PM

في بعض الصباحات، لا يكون الفقد خبرا… بل حياة كاملة تنكسر دفعة واحدة.

في بعض الصباحات، يخرج الرجال كما اعتادوا، ويظن الجميع أن العودة مسألة وقت… ثم يتوقف الزمن، ولا يعود أحد.

هذا الصباح، حضرن الأمهات وجبة الإفطار على مقاس الفقد الموجع .. كنّ ينتظرن عودة أبنائهن لتكتمل مائدة الإفطار في شهر رمضان، لكنهم أمعنوا في الغياب.

وهذا الصباح، كان أطفال الشهيد الملازم أول مراد المواجدة يعدّون أصابعهم:

بابا سيعود بعد ثلاث ساعات… بعد اثنتين… بعد واحدة… لكنهم لم يكونوا يعلمون أن العدّ هذه المرة لن يكتمل.

هذا الصباح، لبسوا زيهم العسكري كما في كل يوم، ودعوا بيوتهم بكلمات عادية جدا…

"بابا بحبك… بدك إشي من السوق؟" . ببكلمات صغيرة… لكنها الآن معلقة في الزمن،

ستبقى تقال في الغياب، وتستعاد كلما اشتد الشوق.

خرج الرقيب خلدون الرقب، وقد ترك خلفه تفاصيل حياة مؤجلة؛ ربما اتفاقا بسيطا مع خطيبته على هدية العيد، ورسالة عابرة ربما قال فيها:

"بدكم أجيب قطايف للفطور؟"

أما العريف صبحي الدويكات، فلم يكن له بيت مستقل بعد… كان بيت أمه وابيه هو العالم كله،

وكانت خطواته المنتظرة هي العيد بحد ذاته.

في البيوت الثلاثة، لا تزال رائحتهم عالقة في الثياب، في الحواكير، في فناجين القهوة،

وفي المناشف التي لا تزال معلقة على كتف المكان.

في البيوت الثلاثة، تفتح الأمهات النوافذ كل مساء، وكأن الخطى القادمة قد تكون خطاهم.

وفي البيوت الثلاثة، سيأتي العيد… وستأتي المدرسة… وستأتي كل المناسبات…

لكنهم لن يعودوا.

ما أصعب أن تشرح لطفل أن أباه استشهد… وأنه لن يعود.

ما أصعب أن تقول لأم: "ابنك شهيد."

اليوم، ثلاثة بيوت فقدت رجالها، وأطفال سيكبرون على حكاية الغياب.

ستسأل الأمهات كل ليلة: "يا رب، كيف حال ابني هناك؟ هل أكرمته كما أكرم الأرض التي حماها؟" .

سيتذكرهم زملاؤهم في الميدان، سيتذكرون ضحكاتهم، تعبهم، واطمئنانهم الدائم لأمهاتهم:

"أنا بخير."

لكن اليوم ..لا أحد بخير. اليوم، قلوبنا خارج الخدمة. واليوم، لا نعرف كيف نكذب على الأمهات، ولا كيف نقول إن اللحظة الأخيرة كانت سهلة. فمن منا يعرف كيف تكون اللحظة الأخيرة؟ ومن منا يقوى على تخيلها؟ . لكننا نعرف شيئا واحدا…

أنهم حين رحلوا، كانوا يحمون هذا الوطن.

نعرف أن أبناءهم سيكبرون، وسيرفعون رؤوسهم عاليا، ويقولون: "كان أبي هنا… وكان يحمي الناس."

ونعرف أن أمهاتهم، رغم كل الألم، سيقلن: "ابني رجل… ورحل رجلًا."

وفي طرف من الحكاية، حيث لا تكتب النهايات بوضوح، بقي الرقيب محمد طلال الشورة…

لم يودع كما ودعوا، ولم ترفع له راية الفقد كما رفعت لهم، لكنه عاد محملا بما لا يحكى ولا يرى… عاد بأصوات لن تغادره، وبصور ستبقى حية أكثر من الحياة نفسها.

سيحاول أن ينام… لكن الوجوه التي غابت ستبقى أقرب إليه من النوم، وسيحاول أن ينسى…

لكن الذاكرة في مثل هذه اللحظات لا ترحم. سيحمل أسماءهم في قلبه، لا كذكرى… بل كأمانة ثقيلة، وكأن عليه أن يعيش عنهم أيضا.

هو لم يفقد… لكنه فقد جزءا منه هناك، حيث استشهدوا، وحيث بقي شيء منه معهم… إلى الأبد.

بقي أن أقول :

إلى أمهات الشهداء… أنتم الحكاية التي لا تكتب كاملة، والصبر الذي لا يقاس.

وإلى أطفالهم… سنحاول أن نكون ظلا خفيفا في غياب لا يحتمل.

وإليهم بطبيعة الحال نقول : نمتم على حدود الله، وأديتم الأمانة، وتركتم في قلوبنا دينا لا يرد.

اللهم ارحم من ودعوا أبناءهم وأمهاتهم صباحا ولم يعودوا، وارحم قلوبا ما زالت تنتظرهم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :