facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




هل يسمح مفهوم "الإضرار" في القانون المدني باستيعاب المخاطر التقنية؟


د.جلال الشورة
19-03-2026 03:13 AM

يقوم نظام المسؤولية التقصيرية في القانون المدني الأردني على قاعدة عامة نصّت عليها المادة (256)، ومؤداها أن كل إضرار بالغير يوجب الضمان. وقد اختار المشرّع الأردني صياغة تقوم على "الإضرار" لا على "الخطأ" بوصفه ركنًا مستقلاً ظاهرًا، وهو اختيار ذو دلالة منهجية عميقة في بناء نظرية الضمان.

فالمسؤولية في هذا الإطار لا ترتبط بالحالة النفسية للفاعل بقدر ما ترتبط بالفعل غير المشروع وآثاره. والإضرار، في معناه القانوني، لا يُفهم بوصفه مجرد وقوع ضرر، بل باعتباره سلوكًا مخالفًا لواجب قانوني عام بعدم إلحاق الأذى بالغير. وهذا الواجب لا يستمد مصدره من إرادة الأطراف أو من رابطة تعاقدية سابقة، بل من النظام القانوني ذاته بوصفه قاعدة تنظيمية تحكم السلوك الاجتماعي وتفرض على الجميع احترام حقوق الغير وصونها.

غير أن التحول الرقمي المتسارع يطرح سؤالًا حول مدى قدرة هذا المفهوم على استيعاب صور من الأذى تنشأ في إطار أنشطة تقنية مشروعة في أصلها، لكنها تنطوي بطبيعتها على مخاطر متوقعة.

في البيئة الرقمية، قد يقع الضرر نتيجة تشغيل نظام إلكتروني، أو اعتماد خوارزمية لاتخاذ قرارات آلية، أو إدارة منصة تعتمد على معالجة بيانات واسعة النطاق. وقد يكون هذا النشاط مشروعًا من حيث المبدأ، لكنه يُفضي إلى أضرار بسبب خلل في التصميم، أو قصور في الضبط، أو ضعف في إدارة المخاطر. وهنا لا يثور السؤال حول خطأ شخصي مباشر، بل حول مدى اتساع مفهوم «الإضرار» ليشمل هذه الحالات.

ويمكن تصور ذلك في حالة منصة رقمية تعتمد نظامًا آليًا لحذف الحسابات التي تُصنّفها الخوارزمية على أنها مخالِفة، ثم يتبين لاحقًا أن النظام يحتوي خللًا في معايير التصنيف، فيُحذف حساب مهني أو تجاري دون مبرر، ويترتب على ذلك خسارة مالية أو مساس بالسمعة. في هذه الحالة، لا يوجد موظف ارتكب خطأً شخصيًا مباشرًا، لكن الضرر تحقق نتيجة إدارة نشاط تقني ينطوي بطبيعته على مخاطر.

هل يكفي أن يكون النشاط قد أُدير بطريقة أفضت إلى ضرر حتى يُعتبر إضرارًا موجبًا للضمان؟
أم يشترط أن يثبت انحراف واضح عن معيار سلوكي محدد؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تتوقف على كيفية فهم معيار عدم المشروعية في إطار الأنشطة التقنية. فمفهوم الإضرار في القانون المدني الأردني يحمل بطبيعته معيارًا موضوعيًا، إذ يقوم على مخالفة واجب قانوني عام في صون حقوق الغير. وهذا الواجب لا يقتصر على الامتناع عن الأفعال الضارة، بل قد يمتد إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتفادي مخاطر متوقعة في إطار نشاط معين.

غير أن التمييز يظل ضروريًا بين المخاطر الملازمة بطبيعتها لنشاط مشروع وتُدار ضمن الحدود المعقولة، وبين المخاطر التي تتجاوز هذه الحدود بسبب قصور في التنظيم أو ضعف في الاحتياطات أو إخلال بمعايير الحيطة الواجبة. فليس كل خطر تقني يُعد إضرارًا، وإنما يتحقق الإضرار عندما يُدار النشاط بطريقة لا تتفق مع مستوى العناية المتوقعة في مثله.

وفي المجال التقني، قد يكون مجرد مباشرة نشاط ينطوي على مخاطر خاصة كافيًا لفرض التزام بإدارته وفق معايير الحيطة الواجبة. فإذا تحقّق الضرر نتيجة قصور في هذه الإدارة، فإن توصيف الواقعة باعتبارها "إضرارًا" لا يخرج عن نطاق النص، بل ينسجم مع روحه.

غير أن توسيع مفهوم الإضرار ليشمل كل ضرر يقع في سياق نشاط تقني مشروع دون ضابط، قد يؤدي إلى تحميل تبعة غير متوازنة، وهو ما يتعارض مع الأساس العادل لنظام الضمان. فالتحدي لا يكمن في توسيع نطاق المسؤولية بقدر ما يكمن في تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار التقني، الذي يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية، وبين حماية الحقوق الفردية من الأذى غير المشروع.

الثابت أن النص الأردني يملك من المرونة ما يسمح باستيعاب التطور التقني دون الحاجة إلى قطيعة تشريعية، غير أن ضبط هذا الاستيعاب هو التحدي الحقيقي. إن استقرار نظرية الضمان لا يتحقق بالجمود على تفسير ضيق لمفهوم الإضرار، بل بحسن توظيف مرونته في مواجهة التحولات التقنية، ضمن حدود تضمن العدالة والتوازن.

والسؤال الذي يظل مطروحًا هو ما إذا كان مفهوم الإضرار، كما استقر في الفقه والتطبيق، كافيًا بذاته لضبط المسؤولية في الأنشطة التقنية المعقدة، أم أن البيئة الرقمية تفرض إعادة تحديد أكثر دقة لمعايير إدارة المخاطر التي يُعد الإخلال بها صورة من صور الإضرار الموجب للضمان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :