في سورةِ القلمِ خلدتْ قصةُ أصحابِ الجنَّةِ الذين بَخلوا بما جادَ اللهُ عليهم وعلى والدهِم – من قبلهم الذي غيَّروا نهجَه - فكانتْ عاقبتُهم أنْ "طافَ عليهم طائفٌ منْ ربِّك وهم نائمون" ، وقدْ يطوفُ عليكَ طائفٌ ليرعاكَ، ولكنْ هذهِ المرَّةَ طافَ طائفٌ ليحرقَ البستانَ بما فيه؛ ذاكَ أنَّهم لم يُعطوا فحُرموا؛ لأنَّه بالشُّكرِ تدومُ النِّعمُ، وبالجحودِ والنُّكرانِ تغيبُ، هو طبعُ الأيامِ التي أبتْ إلّا أنْ تكونَ قُلَّبًا، ولكنَّها سنَّةُ العدالةِ حينَ تابوا ثمَّ ثابوا إلى ربِّهم، فعادتْ إليهم النِّعمةُ منْ جديدٍ.
تلكَ دعوةٌ سافرةٌ للجودِ الذي يُصرُّ المَثلُ العَربيُّ أنَّه (من الموجود) ومرتبطٌ به، ألمْ يقولوا أيضًا: فاقدُ الشَّيءِ لا يعطيه؟ وأنَّى له أنْ يعطيَ إنْ كانَ فقيرًا مُعدمًا؟ وكيفَ فعلَها حاتم الطّائيّ الذي ذبحَ فرسَه لضيفِه، بينما نامَ أبناؤه جياعًا؟ هلْ تجاوزَ نفسَه؟ أمْ امتثلَ لقيمِ مجتمعٍ يقيمُ للجودِ من الوزنِ والاعتبارِ الكثيرَ الكثيرَ، لا بلْ يجعلُه منْ أعلى صفاتِ المروءةِ؟.
وما دمنا في حديثِ المروءةِ ففي ذاتِ مقالةِ عن الثَّقافةِ العربيَّةِ، توقَّفَ المُترجمُ عندَ كلمةِ (مروءة) الكلمةِ العربيَّةِ الجامعةِ لكلِّ الصِّفاتِ التي امْتُدحَ بها العربيُّ منْ نخوةٍ وشهامةٍ وكَرَمٍ وحميّةٍ وغَيْرةٍ على الحُرُماتِ وإقالةِ عَثراتِ الكَرام .. الخ - لمْ يجد المترجمُ كلمةً بديلةً في الإنجليزيَّةِ؛ فلمْ يكنْ منه إلّا أنْ نقلَها كما هي - بلفظها العربيِّ - ولكنْ بحروفٍ لاتينيَّةٍMoroo'a ، ثمَّة لغةٌ، وثمَّةَ روحُ اللغةِ حينَ ننقلُ ثقاقتَنا للآخرِ، إضافةً إلى الزّاويةِ التي ينظرُ كلٌّ منّا منْ خلالِها للقضيَّةِ نفسِها، فما يُعدُّ عنْدنا كرمًا قدْ يعدُّ عندَهم سَفَهًا، وما كانَ عندَهم عطاءً هو في ثقافتِنا تفريطٌ، وفي كلِّ الأحوالِ يلزمُنا قَدْرٌ غيرُ قليلٍ منْ فهمِ الآخرِ؛ لنصلَ إلى قبولِه.
وأعودُ لأتساءلَ: أيُّ معنىً وأيُّةُ دلالةٍ تذهبُ بنا حينَ تَكثرُ قصصُ الكرمِ والعطاءِ في التُّراثِ العالميِّ عامًّة، وفي التُّراثِ العربيِّ على وجهِ الخصوصِ؟ أهو افتقارٌ إلى العطاءِ؟ أمْ دعوةٌ إليه؟ أمْ بحثٌ عنْ نموذجٍ غاب؟
منْ ليسَ يسخو بما تسخو الحياةُ به/ فإنَّه أحمقٌ بالحرصِ ينتحرُ (إيليا أبو ماضي)... ذاكَ فحوى ما تقولُه لنا قصصُ العطاءِ.
(أوبرا وينفري)، صاحبةُ المؤسَّسةِ الإعلاميَّةِ العملاقةِ لها قولةٌ شهيرةٌ في هذا الشَّأنِ: (ما تنفقُه يعودُ إليكَ) ليسَ ذلك بعيدًا عنْ ثقافتنا ففي محكمِ التنزيلِ: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" سبأ: 39 وحينَ وصفوا الشَّهرَ الفضيلَ لمْ يجدوا أجملَ من الكرمِ صفةً لتصبحَ شعارًا له في كلِّ اللغاتِ: رمضانُ كريمٌ.