ما زال (الدُفلى) على ضفاف النهر يغنّي
د. موسى الرحامنة
21-03-2026 07:03 PM
* لا عن زمنٍ مضى، بل عن حقيقةٍ لا تتبدّل: أن الكرامة، إذا سكنت القلوب، لا تُهزم
في فجر ذلك اليوم، اندفعت ألوية العدو، تحمل كل الصلف والغرور، مواكبَ من الحديد والنار، ظناً منها أن الأرض ستذعنُ وتستسلمُ بلا مقاومة؛ ولكن على السفوح والقمم، وفي جنبات الأرض الاردنية، كانت الأسود تربضُ وترابط، بيدها القليلُ من السلاح، والكثير من العزم وإرادة الرجال والايمان بالله، تتشبث بأرضها كما تتشبث الحياة بالنبض؛ لم يكن القتال مجرد مواجهة بالمدافع والرصاص، بل كان امتحاناً صريحاً للإرادة؛ كل رجل، وكل امرأة، وكل قلبٍ في الوطن والقرى المحيطة كان جزءاً من المعركة، يذود عن وطنه دون كللٍ وبلا تردد.
لم تكن تلك اللحظة وليدة يومها، بل امتداداً لنبضٍ أقدم، يوم قاتل الاحرار في الحرب العربية الاسرائيلية الاولى 1948، في اللطرون وباب الواد والقدس، بقيادة رجالٍ أمثال عبدالله التل وحابس المجالي، وقد أدركوا مُبكراً أن الحروب لا تحسمها الطائرات التي تصول في جو السماء؛ بل يحسمها الثبات على الارض؛ هنالك تكرّس الدرس الأول والعقيدة الاولى لدى المقاتل الاردني: أن الجندي الذي يعرف لماذا يقاتل، لا تُغلب إرادته.
وجاءت من بعدُ؛ نكسة حزيران، محاولةً قاسية لطمس ذلك الدرس، ولزرع اليقين الزائف بأن التفوق قدرٌ لا يُردّ؛ غير أنّ ضفاف النهر أعادت كتابة الرواية من جديد؛ حين اندفعت القوات المعادية، متدثرةً بصلفٍ تغذّيه الطائرات وتُشيّده المدرعات التي بدت كأنها ألوية من حديد، ومواكب من نار تمشي على غرورٍ مكتمل؛ لكنها، ما إن اصطدمت بالأرض ومن عليها، حتى بدأت تلك الصورة بالتصدّع؛ إذ لم تكن تواجه موقعاً عسكرياً وحسب، بل كانت تصطدم بإرادةٍ تعرف الأرض، وتستمد منها معنى البقاء.
في الكرامة، لم يكن القتال مجرد مواجهة والتحام، بل كان امتحاناً عارياً للإرادة؛ كشف عن حقيقة مفادها: أن من تعوّد على القتال من أعالي السماء، أو من وراء جدار، تضطرب جوانحه حين يُجبر على المواجهة المباشرة، وقد تساوت المسافات، وتحدّثت بلغتها الأولى؛ حينها، لم تعد السماء هي من تحسم المعركة وحدها، بل أن الأرض بما عليها كان هي الحاسم.
وهنا، لا تدخل الحكاية من باب السرد، بل من باب الذاكرة الحيّة؛ فأبي رحمه الله كان واحداً من أولئك الجنود الذين ثبتوا في الميدان، يحملون الكرامة في صدورهم قبل أن يحملوا سلاحهم؛ ولم يزلْ وسامُه، المعلّق في أحد زوايا البيت شاهداً صامتاً لا يخفت: أن الكرامة ليست كلمة تُقال، بل أثرٌ يُعلّق على صدر رجلٍ، ودينٌ يُؤدّى في ساعة الشدّة.
ولم تكن الجبهة محصورةً في خطوط النار والمواجهة من عيرا ويرقا إلى الكرامة والشونة والكريمة والمشارع وداميا وحسب، بل نهضت القرى المتاخمة للنهر وانتفضت كأنها جبهةٌ أخرى لا تقلّ صلابة؛ خرج أهلها بقضّهم وقضيضهم، كأن الأرض استدعت أبناءها دفعةً واحدة؛ كان الرجال يحملون المؤن والذخيرة على أكتفاهم، يصعدون بها رؤوس العراقيب والجبال، لا يردّهم تعبٌ ولا ترهبهم طائرة؛ وكانت النساء، وهنّ أعرف الناس بأيام العوز، يفتحن خزائن الصبر قبل البيوت؛ يبعثن بالسمن البلدي، لا ليكون طعاماً فحسب، بل ليصير زاداً للمدافع، كأنهنّ يسكبن من عزيمتهنّ في فوهاتها.
ولم يكن ذلك الفعل صامتاً، بل كان له صوته الذي يشقّ الخوف ويزرع الحماسة: "مدافع عيرا رزّتين ورزّة… يردن العوجا مع غزة"؛ كان الحداء يمشي مع الرجال فوق الحجارة، ويصل إلى المقاتلين في مواقعهم كأنه عهدٌ لا يُنكث.
وفي قلب هذا المشهد، لم يكن القائد بعيداً عن رجاله؛ كان الحسين بن طلال بينهم، على الأرض التي تُصنع عليها المعارك، لا في غرفٍ مغلقة؛ وكان يخاطبهم بما يليق بالموقف، لا بما يُرضي الآذان: أن دافعوا عن كرامتكم بكل ما تملكون وقاتلوا، إن لزم الأمر، بأظافركم وأسنانكم؛ كانت كلماته تُسقط الفارق بين الجندي وسلاحه، وتجعله يرى نفسه أكبر من ظرفه، وأقوى من كل حساب.
وحين عبرت القوات المعادية النهر، واندفعت بثقلها، كان الردّ بحجم التحدي. تصدّى لها الجيش، والتحم معها التحاماً ألغى الفوارق، فاهتزّت صفوفها، وارتدّت على أعقابها؛ لم يكن ذلك انسحاباً منظّماً بقدر ما كان انكفاءً تحت وطأة الثبات، تاركةً خلفها قتلاها وآلياتها المدمّرة، شاهدةً على أن الصلف، مهما تعاظم، ينكسر حين يصطدم بإرادةٍ لا تلين.
وعلى الضفاف، كان الدفلى يزهر كأنّه يوقّع على البيان الأخير: أن الحياة لا تنحاز للخوف؛ فبين هدير المدافع، كان هناك غناءٌ خفيّ، لا تسمعه الآذان بقدر ما تدركه القلوب؛ غناء الأرض وهي تستعيد ثقتها، وغناء الرجال وهم يدركون أن ما انكسر يمكن أن يُرمَّم، لا بالندب، بل بالفعل.
أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً، لكنها لا تغيّر جوهر الحقيقة؛ ما زال العدو يفضّل الحرب من السماء، والضرب من مسافة، والاحتماء بتفوقٍ تدعمه قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ غير أن الخطر الأكبر لم يعد في هذا التفوق وحده، بل في ما يتسرّب إلى الداخل من وهنٍ وتشتت، حين تغيب وحدة الموقف، ويُختزل الدرس إلى ذكرى تُروى، لا إلى معيارٍ يُحتكم إليه.
ومع ذلك، يبقى الخيط ممتداً لا ينقطع: من 1948 إلى الكرامة إلى يومنا هذا؛ خيط الإرادة التي لا تُكسر إذا توحّدت، والتي تجعل من الجندي والفلاح والمرأة والصوت كياناً واحداً.
هكذا تبقى الكرامة أكثر من معركة، وأكثر من ذكرى؛ تبقى ميزاناً؛ وعلى ضفاف النهر، ما زال الدفلى يغنّي… لا عن زمنٍ مضى، بل عن حقيقةٍ لا تتبدّل: أن الكرامة، إذا سكنت القلوب، لا تُهزم.