facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صناعة مستقبل التنقّل


د. صالح سليم الحموري
24-03-2026 12:05 PM

في عمّان، لا يُقاس الوقت بالساعات… بل بالإشارات.

رحلة يفترض أن تستغرق عشر دقائق، قد تتحول إلى تجربة يومية من الترقب، والتأخير، واستنزاف الأعصاب. لكن السؤال الأهم ليس: لماذا نُعاني من الازدحام؟ بل: لماذا ما زلنا ندير التنقّل بعقل الأمس في مدينة تتغير كل يوم؟

الحقيقة التي لم تعد قابلة للتجاهل أن “التنقّل” لم يعد مجرد طرق وجسور وإشارات. إنه منظومة حياة. هو اقتصاد يتحرك، وفرص تُخلق أو تُفقد، وجودة يوم يعيشها المواطن أو يستهلكها في الانتظار. وهنا يبدأ التحول الحقيقي: حين نفهم أن إدارة التنقّل ليست مهمة هندسية فقط… بل قرار سيادي في كيفية إدارة المدينة.

ما طرحته تجربة دبي، كما سمعنا، في القمة العالمية للحكومات 2026، لم يكن في جوهره عن “وسائل نقل جديدة”، بل عن نموذج تفكير مختلف. الانتقال من حكومة تُشغّل كل شيء، إلى حكومة تُنظّم وتُمكّن وتُسرّع. من مشاريع منفصلة، إلى منظومة متكاملة تُدار بعقل واحد. ومن ردّ الفعل، إلى استباق المستقبل.

وهنا، يبرز السؤال الأردني بوضوح:

هل نحتاج إلى المزيد من الطرق؟ أم إلى إعادة تعريف “كيف نتحرك”؟

في الأردن، التحدي ليس في غياب الحلول، بل في تشتتها. لدينا بنية تحتية تتطور، ومشاريع نقل عام تتقدم، ومحاولات رقمية واعدة… لكن ما ينقصنا هو “العقل الجامع” الذي يرى التنقّل كشبكة واحدة، لا كجهود متفرقة.

الازدحام ليس مشكلة مرورية فقط… بل انعكاس لقرار مؤسسي.

قرار يتعلق بكيفية تخطيط المدن، وتوزيع الخدمات، وربط وسائل النقل، واستخدام البيانات، وإشراك القطاع الخاص، بل وحتى فهم سلوك الناس.

وهنا تظهر نقطة التحول:

لا يمكن أن نحل مشكلة القرن العشرين بأدوات القرن الماضي.

العالم اليوم يتجه نحو “تنقّل ذكي” لا يعتمد فقط على البنية، بل على البيانات. إشارات مرورية تتكيّف لحظيًا، تطبيقات توجّه السلوك، أنظمة تربط الحافلات، والسيارات، وحتى المشي في تجربة واحدة متكاملة. ليس الهدف أن تتحرك أسرع… بل أن تتحرك بذكاء.

لكن الأهم من التكنولوجيا… هو القرار.

كما في كل التحولات الكبرى، الفرق لا تصنعه الفكرة، بل الجرأة في تبنّيها. الأردن لا ينقصه الكفاءات، ولا الإمكانيات، بل يحتاج إلى قفزة في طريقة التفكير: من إدارة الازدحام… إلى تصميم الانسيابية.

وهذا يتطلب ثلاثة تحولات أساسية:

أولًا: الانتقال من المشاريع إلى المنظومة.

أي أن يُدار التنقّل كشبكة مترابطة، لا كمبادرات منفصلة.

ثانيًا: من التشغيل إلى التمكين.

حيث تلعب الحكومة دور المنظم وصانع البيئة، وتُفسح المجال للقطاع الخاص للابتكار.

ثالثًا: من الحدس إلى البيانات.

فالقرار الذكي اليوم لا يُبنى على الانطباعات، بل على فهم لحظي ودقيق للحركة والسلوك.

في النهاية، التنقّل ليس هدفًا بحد ذاته… بل وسيلة لحياة أفضل.

حين تتحسن تجربة الطريق، يتحسن الاقتصاد، ويخف التوتر، وتزداد الإنتاجية، ويشعر الإنسان أن مدينته تعمل لأجله، لا ضده.

عمّان لا تحتاج أن تُشبه دبي… لكنها تحتاج أن تُشبه مستقبلها.

مستقبل تُدار فيه المدن بعقلٍ يرى أبعد من الإشارة القادمة، ويُخطط لحياةٍ أكثر انسيابية، وعدالة، وكرامة.

لأن القضية ليست كيف نصل…

بل كيف نعيش ونحن في الطريق.

* مستشار التعليم التنفيذي - كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :