ليس من المنطقي، ولا من المقبول سياسيًا أو قانونيًا، أن يُطلب من دولة ذات سيادة مثل الأردن أن تبرر لماذا تُستهدف أراضيها. ما يجري اليوم، وفق ما تعلنه المؤسسة العسكرية من أرقام ومعطيات، يتجاوز فكرة "الخطأ" أو "الأضرار الجانبية"، ويدخل في سياق واضح، اختراق متكرر للمجال السيادي الأردني عبر مسيّرات وصواريخ، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
الأردن ليس ممرًا جويًا مفتوحًا، ولا منطقة عازلة، ولا ساحة لتصفية الحسابات. هو دولة مكتملة الأركان، بحدود معترف بها، وبسيادة كاملة على أرضه وسمائه. وأي جسم عسكري يعبر هذه الحدود دون إذن، أو يهدد الداخل الأردني بأي شكل، هو اعتداء صريح وفق قواعد القانون الدولي، لا يحتمل التفسير ولا يخضع للاجتهاد السياسي.
محاولة تبرير هذا الاعتداء بذريعة وجود تعاون عسكري أردني أمريكي هي حجة واهية، بل وخطيرة. الأردن، كأي دولة ذات سيادة، يمتلك الحق الكامل في إبرام اتفاقيات دفاع مشترك أو تعاون أمني ضمن أطره الدستورية والقانونية. هذا حق سيادي لا يُناقش من الخارج، ولا يُقابل بالصواريخ. تحويل هذا الحق إلى ذريعة للاستهداف يعني ببساطة إسقاط مفهوم الدولة من أساسه، وفتح الباب أمام منطق الفوضى، أي دولة يمكن أن تقصف أخرى فقط لأنها تتحالف مع طرف ثالث.
ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، فسنجد أنفسنا أمام عبث كامل في العلاقات الدولية. ماذا لو قررت أوكرانيا، على سبيل المثال، استهداف بعثات أو مواقع روسية في دول أخرى؟ هل سيُقبل ذلك تحت أي مسمى؟ أم سيُعتبر عدوانًا واضحًا؟ الإجابة هنا ليست معقدة، لكن الإشكال يكمن في الازدواجية، لا في غموض المعايير.
أما الادعاء بأن هذه الصواريخ أو المسيّرات "في طريقها إلى إسرائيل"، فهو طرح يتجاهل حقيقة مركزية، السيادة لا تُدار بالنوايا، بل بالحدود والقانون. الأردن أعلن بوضوح، وطبّق عمليًا، أنه لن يسمح باستخدام مجاله الجوي لأي عمليات عسكرية، من أي طرف كان. هذا الموقف لم يكن نظريًا، بل تم الالتزام به حتى في ذروة التصعيد، حين اختار الأردن تحييد أجوائه بالكامل، رافضًا أن يكون جزءًا من أي مسار عسكري إقليمي. وبالتالي، فإن فرض واقع مخالف بالقوة هو تجاوز مباشر لهذا القرار السيادي.
الأخطر من ذلك هو الانتقال من مرحلة الاختراق إلى مرحلة التهديد المباشر، عبر إدراج مواقع داخل الأردن ضمن أهداف محتملة. حين تُذكر منشآت حيوية مثل محطة العقبة أو محطات الطاقة، فنحن لا نتحدث عن مواقع عسكرية أجنبية، بل عن بنية تحتية وطنية تمس حياة الناس اليومية. استهدافها، أو حتى التلويح بذلك، لا يمكن تفسيره بأي منطق عسكري مشروع، بل يعكس انزلاقًا خطيرًا نحو تهديد أمن المدنيين واستقرار الدولة.
في هذه اللحظة، لا مكان للمنطقة الرمادية، ولا قيمة للخطابات التي تحاول تبرير ما لا يُبرر. ليس مطلوبًا من الأردني أن يختار بين إيران وإسرائيل، ولا أن يدخل في اصطفافات إقليمية تبرر انتهاك سيادته. المسألة أبسط وأكثر وضوحًا، أي جهة تعتدي على الأردن، أيًا كانت، هي جهة معتدية. لا فرق بين صاروخ يأتي من الشرق أو من الغرب، ولا معنى لأي خطاب سياسي أو أيديولوجي إذا كان ثمنه تجاوز حدود الدول وتهديد أمن شعوبها.
الدولة تُختبر في لحظات كهذه. تُختبر في وضوح تعريفها لسيادتها، وفي قدرتها على فرض هذا التعريف دون تردد. الأردن لا يمكن أن يقبل أن يُعامل كساحة مفتوحة، ولا كجغرافيا قابلة للاستخدام في صراعات الآخرين. هذه ليست مسألة موقف سياسي عابر، بل مسألة وجود دولة ومعنى سيادة.
السيادة ليست وجهة نظر، ولا بندًا قابلًا للتفاوض تحت الضغط. من يختبرها مرة، يجب أن يفهم أنها ليست قابلة للاختبار مرة ثانية.