الأردن في مواجهة التهديد المزدوج .. إيران بين التصعيد والادّعاء
د. مثقال القرالة
24-03-2026 12:30 PM
في لحظةٍ إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح، وتتداخل فيها الأيديولوجيات، ويزداد خطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، يتحرك الأردن بقيادة الملك عبد الله الثاني حفظة الله ورعاه على أكثر من محور دبلوماسي وسياسي وأمني. فالأردن اليوم ليس مجرد دولة تمر بمرحلة صعبة؛ بل هو نقطة ارتكاز استراتيجي تحاول ضبط إيقاع التوتر في محيط ملتهب، ومنع أي انزلاق قد يؤدي إلى أزمة لا يمكن احتواؤها بسهولة. هذه التحركات تشمل تواصلاً نشطا مع العواصم العربية، والضغط على المؤسسات الدولية لضمان فهم واقعي لطبيعة التهديدات، وتعزيز أدوات العمل الدبلوماسي بما يحفظ المصالح الوطنية. في المقابل، تبرز إيران كلاعب إقليمي يجيد توظيف التناقضات لصالحه. فهي من جهة تمارس خطاباً تصعيدياً، وتلوّح بأدوات الضغط والنفوذ الميداني، ومن جهة أخرى تلجأ إلى المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، لتقديم شكاوى ضد دول المنطقة، ومنها الأردن، في محاولة لإعادة صياغة صورتها كطرف متضرر. هذه الازدواجية ليست تناقضاً عابراً، بل هي سلوك سياسي محسوب، يقوم على الجمع بين الضغط الميداني والتحرك القانوني والدبلوماسي، مع إدارة الصورة إعلامياً بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو أن التهديدات لم تعد تقليدية أو واضحة المعالم، بل أصبحت مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية مع الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية. وهذا يفرض على الدول، وفي مقدمتها الأردن، تطوير أدوات قراءة أكثر دقة وواقعية، بعيداً عن التبسيط أو الانجرار خلف سرديات لا تعكس حقيقة التوازنات القائمة. غير أن التحدي لا يقتصر على الخارج فقط، بل يمتد إلى الداخل أيضاً. ففي خضم هذا المشهد، تبرز أصوات داخلية تحمل الجنسية الأردنية لكن وللاسف تحمل ولاءً غير ادني، تميل إلى تأييد المواقف الإيرانية أو تبريرها، رغم ما يصدر عنها من تهديدات تمس الأمن الوطني. هذه الظاهرة لا يمكن تجاهلها، لأنها تعكس خللاً في ترتيب الأولويات، حيث يتم أحياناً تقديم الانتماءات الأيديولوجية أو الحسابات السياسية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا. إن الاختلاف في الرأي مشروع، بل وضروري في أي مجتمع حي، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى اصطفاف مع أطراف تمارس ضغوطاً على الدولة أو تهدد استقرارها. فالمسألة هنا لم تعد مجرد وجهة نظر، بل تتعلق بوعي سياسي وأمني يجب أن يكون على مستوى التحديات التي تواجهها الدولة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على قاعدة لا تقبل التأويل: الأردني يجب ان لا يقف في صف أي مشروع إقليمي يتعارض مع مصالحه، ولا ينحاز إلى أي طرف على حساب أمنه واستقراره. فالمعادلة الوطنية واضحة؛ لا اصطفاف أعمى، ولا تبرير لأي تهديد، بل تموضع ثابت في صف الدولة ومصالحها العليا فقط. إن ما يحدث في المنطقة اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو صراع مركب، تتداخل فيه الجغرافيا مع الأيديولوجيا، وتتقاطع فيه المصالح مع السرديات الإعلامية. وفي هذا الإطار، تمثل الدبلوماسية الأردنية أداة توازن دقيقة، تسعى إلى حماية الدولة من الانزلاق إلى محاور الصراع، والحفاظ على موقعها كعامل استقرار في منطقة مضطربة. فالأردن اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في كيفية التعامل مع التهديدات الخارجية، بل في قدرته على تعزيز مناعته الداخلية، وبناء وعي جمعي قادر على التمييز بين المواقف والتحليل، وبين الاصطفاف والمصلحة الوطنية. فالدول لا تُختبر فقط عند حدودها، بل تُختبر أيضاً داخل مجتمعاتها.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل نملك القدرة على وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار؟ هل نستطيع قراءة المشهد بوضوح، بعيداً عن الانحيازات، واتخاذ مواقف تحمي الدولة وتعزز استقرارها؟ الجواب على هذا السؤال لا يُحدد فقط شكل المرحلة القادمة، بل يرسم ملامح الدور الذي يمكن أن يلعبه الأردن في إقليم يعاد تشكيله تحت ضغط الأزمات. وبين التهديد، الشكوى، والتحرك الدبلوماسي، تبرز فرصة حقيقية أمام الأردن لإثبات قدرته على إدارة الأزمات بحكمة وصلابة، وترسيخ موقعه كدولة توازن واستقرار في منطقة لا تعرف الثبات.