facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عصر النهايات ..


د. صالح سليم الحموري
26-03-2026 12:30 PM

في كل مرة نظن فيها أن العالم يستقر، يفاجئنا بأنه كان فقط يلتقط أنفاسه قبل أن يتغيّر من جديد.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد تسارع في الأحداث، ولا حتى تطور طبيعي في مسار الزمن… بل هو حالة كثيفة من "النهايات" التي تتزاحم في كل زاوية من حياتنا. نهاية نماذج، نهاية أفكار، نهاية مؤسسات، وحتى نهاية تصوراتنا عن أنفسنا.

لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ينتهي؟

بل: ماذا يولد في قلب هذه النهايات؟

في كتاب عصر النهايات، للكاتب المغربي إدريس أوهلال، تُطرح فكرة جوهرية: أن ما نراه ليس انهيارًا بقدر ما هو إعادة تشكيل عميقة للعالم.

فالمدرسة لم تعد كما كانت… يكفي أن ننظر إلى طفل يتعلم اليوم من منصة عالمية، أسرع مما يتعلمه في صفٍ تقليدي.

والوظيفة لم تعد وعدًا… في زمنٍ قد يستبدل فيه الذكاء الاصطناعي مهام كاملة خلال أشهر، لا سنوات.

والإعلام لم يعد محتكرًا… هاتف واحد قد يصنع رأيًا عامًا، أو يهدمه.

وحتى المعرفة نفسها… لم تعد لمن يملكها، بل لمن يعرف كيف يستخدمها.

لم يعد العالم يُدار بالثوابت… بل بالتحولات.

نحن نعيش زمنًا تتفكك فيه البُنى القديمة، لا لأنها فشلت فقط، بل لأنها لم تعد قادرة على احتواء واقع أكثر تعقيدًا.

انظر إلى المؤسسات التي ما زالت تعمل بعقلية "الإجراء" في زمن "التجربة"، أو إلى أنظمة تعليم تدرّس مهنًا قد تختفي قبل أن يتخرج أصحابها، أو إلى وظائف تُقاس بالساعات بينما القيمة الحقيقية تُقاس بالأثر.

المشكلة لم تعد في الأدوات… بل في العقل الذي يستخدمها.

وحتى الحروب… لم تعد مثل الحروب السابقة.

لم تعد تُخاض فقط بالمدافع والدبابات، بل بالبيانات، وبالخوارزميات، وبالوعي.

حربٌ قد تبدأ بتغريدة، وتتصاعد بمعلومة مضللة، وتُحسم بخوارزمية تتحكم بما يراه الناس… وما لا يرونه.

لم يعد الانتصار لمن يملك الأرض فقط…

بل لمن يملك "السردية".

في عالم اليوم، قد تخسر دولة معركة على الأرض… لكنها تربح الحرب في عقول الناس.

وقد تنتصر عسكريًا… لكنها تُهزم إعلاميًا، فتخسر الشرعية والتأثير.

حتى ساحات الصراع تغيّرت: من حدود جغرافية إلى منصات رقمية، ومن جيوش تقاتل إلى عقول تُوجَّه.

وهنا، يصبح أخطر ما في الحرب… ليس ما يُدمَّر، بل ما يُعاد تشكيله داخل الإنسان:

قناعاته، خوفه، ثقته، وانتماؤه.

وهذا بالضبط هو "عصر النهايات"…

حين تنتهي الحروب بشكلها القديم،

لتبدأ بشكل أكثر تعقيدًا… وأشد تأثيرًا.

وهنا تظهر المفارقة: كل نهاية نراها… تحمل في داخلها بذرة بداية.

لكن هذه البدايات ليست جاهزة، ولا واضحة، ولا مريحة.

هي تتشكل اليوم في شركات ناشئة ومنها شركات "يونيكورن" مليارية، تُعيد تعريف الأسواق، في حكومات تحاول "تصفير البيروقراطية"، في أفراد يصنعون مساراتهم خارج القوالب التقليدية.

إنها تبدأ من الهامش… ثم تصبح هي القاعدة.

المشكلة ليست في النهايات… بل في طريقة قراءتنا لها.

هناك من يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا لوظيفته…

وهناك من يراه فرصة لإعادة تعريف نفسه.

هناك من يخاف من تغيّر السوق…

وهناك من يبادر ليخلق سوقًا جديدًا.

وهناك من يتمسك بالماضي لأنه "كان يعمل"…

وهناك من يفهم أن ما كان يعمل… لم يعد كافيًا.

القلة فقط… هي من تفهم اللعبة، وان قواعدها قد تغيرت.

هؤلاء لا يسألون: كيف نحافظ على ما كان؟

بل يسألون: كيف نبتكر ما لم يكن موجودًا أصلًا؟

في "عصر النهايات"، لم تعد القوة لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يفهم التحول.

لم تعد الأفضلية للأكثر خبرة، بل للأكثر قدرة على التعلم.

ولم يعد النجاح لمن يكرر النموذج… بل لمن يكسر النموذج ويعيد تركيبه.

حتى الذكاء نفسه تغيّر تعريفه… ولم يعد نادرًا كما كان.

لم يعد الذكي من يعرف الإجابة…

بل من يعرف ماذا يسأل… ولماذا… ومتى يشكّك في الإجابة.

فالذكاء اليوم لم يعد في امتلاك المعلومة،

بل في القدرة على فهمها، وتفكيكها، وتجاوزها.

وهنا، تظهر مسؤولية الإنسان…

لا كمتلقٍ لهذه التحولات، بل كفاعلٍ واعٍ فيها.

فالخطر الحقيقي ليس أن تتغير القواعد…

بل أن تبقى أنت كما أنت.

إننا لا نعيش "نهايات" تقود إلى الهاوية، بل نهايات تُجبرنا على النضج.

تُجبرنا على إعادة التفكير في التعليم، في العمل، في العلاقات، في معنى القيمة، وفي دور الإنسان في عالم تزداد فيه سطوة الآلة.
ولهذا، فإن أهم مهارة اليوم ليست التخصص… بل "الوعي".

وأهم استثمار ليس المال… بل "الفهم".

وأهم قرار ليس ماذا تفعل… بل "كيف تفكر".

في النهاية…

النهايات ليست لحظة "حزن"، بل لحظة "اختبار".

اختبار لقدرتنا على الفهم… لا على الحفظ،

على التكيّف… لا على المقاومة،

على إعادة البناء… لا على التمسك بالأنقاض.

فالعالم لا ينتهي…

لكنه يتغير.

والسؤال الذي سيحدد موقعك في هذا العالم الجديد ليس:

"ماذا انتهى؟"

بل: هل أنت مستعد أن تعيد تعريف نفسك… قبل أن يعيد العالم تعريفك؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :