الحرب التي لم تُحسم… ولم تتوقف حتى تبدأ من جديد ..
صالح الشرّاب العبادي
27-03-2026 11:29 PM
لم تُحسم هذه الحرب… ولم تتوقف أصلًا حتى يُقال إنها ستبدأ من جديد.
كل ما يُروَّج عن “نهايات قريبة” ليس سوى قراءة متسرعة لمشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فالواقع يقول إن الأطراف الرئيسية لم تحقق حتى الآن الأهداف التي يمكن أن تقود إلى نصر حاسم، بل إن هذه الأهداف نفسها تبدو شديدة التعقيد، وربما غير قابلة للتحقق الكامل ضمن الأدوات الحالية.
الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تواصل الحديث عن “تحقيق الأهداف”، لكنها في الحقيقة تُدير الصراع أكثر مما تحسمه.
الخطاب شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر تمامًا.
فالضربات العسكرية، رغم شدتها، لم تتحول إلى نتائج سياسية واضحة، ولم تُنتج واقعًا جديدًا يُؤشر إلى أفق نهاية قريب.
أما الحديث عن “رسائل المفاوضات”، فهو في حقيقته لا يتجاوز كونه تبادلًا لشروط تعجيزية لم تصل بعد إلى طاولة تفاوض فعلية.
كل طرف يطرح سقفًا مرتفعًا لا بهدف الوصول إلى اتفاق، بل لإدارة الوقت ورفع كلفة التنازل على الطرف الآخر.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها أطراف الوساطة لتقريب وجهات النظر، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة، بل تتسع مع كل جولة غير معلنة من الشروط المتبادلة.
والأخطر أن هذه المرحلة لا تبدو تمهيدًا للحل… بل أقرب إلى فترة تحضير لما هو أكبر وأكثر تعقيدًا وربما أكثر خطورة مما يجري الآن.
فزمن “التفاوض” هنا لا يُقاس بما يُنجز على الطاولة، بل بما يُبنى خلف الكواليس:
حشد عسكري، إعادة تموضع، واختبار للقدرات… وكأن الجميع يتفاوض، لكن بأدوات الحرب.
بل على العكس، تشير التحركات إلى تصعيد محسوب، يتجلى في حشد القوات والاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيدًا، قد تصل إلى مواجهة برية محفوفة بالمخاطر، في بيئات قد تُحرق بالكامل قبل دخولها، ما يتطلب قوات خاصة، ومشاة مدربين، وخبرات هندسية واستخبارية عالية المستوى.
أما إسرائيل، فهي تدرك أن القوة الجوية والصاروخية—على كثافتها—لا تكفي لتحقيق أهداف الحرب العليا.
ما تسعى إليه يتجاوز الردع، إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية بشكل جذري، وهو هدف لا يُنجز بالقصف وحده، بل يحتاج إلى مسار طويل، أكثر تعقيدًا وكلفة.
ولهذا، توسّع عملياتها النوعية داخل إيران، مستهدفة مواقع حساسة واستراتيجية، في محاولة لفرض معادلات جديدة، حتى وإن تطلب ذلك تجاوز إيقاع الحذر الأمريكي، والدفع نحو خيارات أكثر خطورة، بما فيها العمل البري النوعي.
في المقابل، تتحرك إيران بعقيدة النفس الطويل.
لم تُكسر قدرتها على الرد بالكامل، ولم تفقد أدواتها، رغم ما تعرضت له من ضربات مؤثرة.
هي تعيد ترتيب قدراتها، وتستعد لأسوأ السيناريوهات، بما في ذلك احتمال الاشتباك البري المباشر، في حال فُرض عليها ذلك.
وهنا تتعقد المعادلة…
فلا طرف قادر على تحقيق نصر حاسم، ولا طرف مستعد للانسحاب.
وما يُشار إليه إعلاميًا بـ “الطرف الخفي” ليس سوى تقاطعات مصالح إقليمية غير معلنة بالكامل، تسعى لإعادة ترتيب النفوذ، خصوصًا في ملفات الطاقة والممرات البحرية، لكن هذه الأطراف نفسها تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة برية واسعة قد يرتد عليها قبل غيرها.
نحن أمام حرب لم تصل إلى ذروتها بعد، حتى تبدأ بالانحسار.
حرب بلا شروط نهاية واضحة، وأهدافها أكبر من أدواتها الحالية، وكلفتها أعلى من قدرة أي طرف على تحملها منفردًا.
ما يُطرح كـ “نهاية قريبة” يتجاهل حقيقة أساسية:
هذه حرب لا تُحسم بالقصف، ولا بالحصار، ولا حتى بإغلاق الممرات الحيوية… بل بصراع إرادات طويل، لم يُحسم بعد.
المشكلة ليست أن الحرب طويلة…
بل أن أهدافها أكبر من أن تُحسم سريعًا.
ولهذا، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما جرى… بل ما قد يأتي.
فهي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وتقف على حافة توسع قد يكون الأكثر تدميرًا في تاريخ المنطقة الحديث.