أوامر الدفاع كأداة تدخل سريع .. والتقشف الحكومي كأداة استدامة وضبط طويل الأمد
أروى الظاهر
01-04-2026 08:56 AM
في ظل تصاعد احتمالات استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والحديث عن تعطّل مضيق هرمز، يجد الأردن نفسه في قلب الصدمة… دون أن يكون طرفًا فيها، فإن أي ارتفاع في أسعار النفط إلى حدود 100–130 دولار للبرميل سيعني ارتفاعًا مباشرًا في كلفة الكهرباء والنقل وأسعار السلع الأساسية.
في هذا المشهد، تبرز أداتان رئيسيتان في يد الدولة:
- أوامر الدفاع كوسيلة تدخل سريع.
- التقشف الحكومي كنهج لإعادة ضبط الأولويات.
لكن القيمة الحقيقية لهاتين الأداتين لا تكمن في تفعيلهما، بل في الفلسفة التي تحكم استخدامهما: هل تُستخدمان لتحقيق توازن اقتصادي عادل، أم لاحتواء الأزمة مؤقتًا دون معالجة جذورها؟
- أوامر الدفاع… أداة ضرورة لا بديل عن السياسة الاقتصادية
في مثل هذه الظروف، تعود أوامر الدفاع المستندة إلى قانون الدفاع الأردني رقم 13 لسنة 1992 كخيار سريع وفعّال. لكنها، بطبيعتها، أداة استثنائية، لا يمكن أن تتحول إلى سياسة اقتصادية دائمة، التحدي الحقيقي ليس في تفعيلها، بل في استخدامها بشكل محدد، مؤقت، ومتوازن.
في ملف الطاقة، مثلًا، يتطلب الأمر تدخلًا حكوميًا لضمان التوزيع العادل ومنع الاحتكار، لكن دون تحويل السوق إلى نظام إداري مغلق. فالتجارب تثبت أن الإفراط في التدخل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل نقص الإمدادات وظهور السوق السوداء، إدارة الأزمة لا تعني السيطرة الكاملة… بل الحفاظ على توازن دقيق بين التنظيم والمرونة.
- التقشف الحكومي… من خطاب سياسي إلى التزام فعلي
لإعادة ضبط الأولويات في ظل الازمات الكبرى يصبح التقشف الحكومي ضرورة لا خيارًا. ولا يجب تحميل المواطن أعباء إضافية، بل إعادة ترتيب داخلي لأولويات الدولة، فأي دعوة للتقشف لن تكون ذات مصداقية ما لم تبدأ من الحكومة نفسها، عبر: وقف أو تأجيل الإنفاق غير الضروري، تجميد المشاريع غير ذات الأولوية، خفض النفقات التشغيلية للمؤسسات، إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر تأثرًا، التقشف بهذا المعنى ليس إجراءً ماليًا فقط، بل رسالة سياسية تعزز الثقة في وقت الأزمات.
سوق العمل… بين الحماية والاستدامة
منع تسريح العمال قد يبدو خطوة إنسانية ضرورية، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا لم يُدعم بإجراءات اقتصادية موازية. فالشركات التي تواجه ارتفاعًا في الكلف لن تستطيع الاستمرار في دفع الرواتب دون دعم، ما يؤدي إلى تأجيل الأزمة بدل حلها، وفي ظل بطالة شبابية تتجاوز 45%، فإن أي اختلال إضافي في سوق العمل سيكون له أثر اجتماعي واسع، الحل يكمن في:
- تقاسم الكلفة.
- مرونة في أنماط التشغيل
- دعم جزئي للأجور في القطاعات المتضررة
- تأجيل الالتزامات المالية على الشركات
حماية الوظائف لا تتحقق بقرار إداري، بل بتوازن اقتصادي مدروس.
الأسعار والسوق… معادلة دقيقة
يبقى ملف الأسعار من أكثر الملفات حساسية. فالتدخل الحكومي ضروري لحماية الفئات الأكثر ضعفًا، لكنه يجب أن يكون محددًا ومدروسًا، التسعير القسري دون دعم يؤدي غالبًا إلى اختفاء السلع، وهو ما يحول الأزمة من ارتفاع في الأسعار إلى نقص في التوفر، السياسة الأكثر واقعية تقوم على: دعم السلع الأساسية، ضمان استمرار سلاسل التوريد، تشديد الرقابة على الاحتكار، الهدف ليس فقط خفض الأسعار… بل الحفاظ على استقرار السوق.
السياحة والاستثمار… الخسارة غير المرئية
بعيدًا عن المؤشرات التقليدية، يُعد قطاعا السياحة والاستثمار الأكثر هشاشة أمام أي تصعيد إقليمي، إذ تتأثر قرارات السائح والمستثمر بالصورة العامة للمنطقة لا بالواقع المحلي فقط، وهنا لا يخسر الاقتصاد ما يحدث فقط… بل ما كان يمكن أن يحدث من فرص نمو واستثمار.
ان تراجع السياحة لا يعني انخفاض عدد الزوار فقط، بل يمتد أثره إلى الفنادق والنقل والمطاعم وسلاسل التوريد المرتبطة بها.وفي المقابل، يؤدي عدم اليقين إلى تأجيل الاستثمارات، ما يخلق فجوة زمنية في النمو يصعب تعويضها لاحقًا، لذلك تكون الاستجابة الفعالة بإطلاق حملة ثقة دولية تبرز استقرار الأردن وتميزه عن محيط، إلى جانب تحفيز السياحة الداخلية والإقليمية كبديل سريع لتعويض التراجع في الطلب الخارجي، كما يتطلب الأمر تقديم حوافز مرنة للقطاع السياحي، مثل تأجيل الرسوم والضرائب وربطها بالحفاظ على الوظائف، وفي جانب الاستثمار، تبرز أهمية تسريع الإجراءات وتقليل البيروقراطية لضمان استمرارية المشاريع، إضافة إلى تقديم ضمانات حكومية جزئية للمشاريع الاستراتيجية لتخفيف أثر المخاطر.
فحماية هذا القطاع لا تعني فقط تقليل الخسائر… بل الحفاظ على ثقة الاقتصاد ومستقبله.
اختبار في الإدارة… لا في الأدوات
من كل ذلك نخلص الى ان الأردن يمتلك احتياطيات أجنبية تغطي نحو 7 أشهر من الواردات، وهو ما يمنحه هامشًا للتحرك. و بناء نموذج إدارة أزمة قائم على التوازن، والشفافية، وتقاسم الأعباء. أوامر الدفاع يمكن أن تكون أداة فعّالة إذا استُخدمت بحكمة، والتقشف يمكن أن يكون فرصة لإعادة ضبط الأولويات، إذا بدأ من الدولة نفسها.
في الأزمات، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على فرض القرارات، بل بقدرتها على توزيع كلفتها بعدالة. وأوامر الدفاع، كما التقشف، ليست مجرد أدوات قانونية أو مالية… بل اختبار حقيقي لثقة الدولة بنفسها، وثقة المجتمع بها.
arwa.th84@gmail.com