بين مطرقة اللجنة العسكرية وسندان التكليف الاسمي
الدكتور عزمي حجرات
25-03-2026 10:49 AM
* لماذا حُمل الأردن وزر النكبة عسكرياً رغم إقصائه من "مطبخ القرار"؟
في مراجعة هادئة لدفاتر عام 1948، ومع اقتراب الذكرى السنوية لأحداثها الأليمة، يبرز تساؤل يفرض نفسه على الباحثين في الشأن القومي: هل كان تحميل الأردن وجيشه العربي مسؤولية الإخفاق العسكري في فلسطين عاملاً موضوعياً، أم أنه كان استراتيجية سياسية لـغسل يد الأطراف العربية الأخرى من سوء التقدير والتخطيط؟
قبل دخول الجيوش العربية النظامية في 15 مايو 1948، كانت "اللجنة العسكرية الفنية" التابعة لجامعة الدول العربية (ومقرها دمشق) هي المسؤول الأول والمباشر عن إدارة الصراع. هذه اللجنة، التي ترأسها اللواء العراقي إسماعيل صفوت، وضمت ضباطاً رفيعي المستوى من مصر وسوريا ولبنان والعراق، خلت تماماً من أي تمثيل عسكري أردني.
هذا الغياب لم يكن محض صدفة، بل كان يعكس توجساً سياسياً من قوة الجيش العربي الأردني وتنظيمه الاحترافي، ورغبة في تحييد الرؤية الأردنية التي كانت تميل إلى العمل العسكري النظامي الصارم بدلاً من الرهان على المتطوعين وحرب العصابات غير المتكافئة.
في هذه الأروقة بدمشق، وقع الصدام الشهير بين الشهيد عبد القادر الحسيني وأعضاء اللجنة. الحسيني، الذي كان يمتلك رؤية ميدانية فذة وقدرة دقيقة على تقدير قوة العصابات الصهيونية، وجد نفسه أمام لجنة تمنح السلاح والمال لـجيش الإنقاذ وتحجبه عن المقاتلين المحليين في الجهاد المقدس.
لقد أثبتت الوقائع أن تقدير الحسيني لخطر السقوط الوشيك للقدس والقسطل كان أدق من تقديرات اللجنة العسكرية بدمشق، التي كانت تعيش في "برج عاجي" من الوعود السياسية والمعلومات الاستخباراتية المغلوطة التي قللت من شأن الخصم.
عندما أدركت الجامعة العربية أن جيش الإنقاذ لم يحقق النتائج المرجوة، وأن الجيوش النظامية باتت قاب قوسين من الدخول، تم منح الملك عبد الله الأول منصب القائد العام للجيوش العربية في أوائل مايو 1948.
كان هذا التكليف اسمياً أكثر منه فعلياً؛ فكل جيش عربي كان يتلقى أوامره المباشرة من عاصمة بلاده، ولم يكن للقائد العام سلطة حقيقية على تحركات القوات المصرية أو السورية أو العراقية. لقد تم وضع الأردن في واجهة القيادة في اللحظات الأخيرة، ليكون كبش الفداء الجاهز لتحمل تبعات أي تراجع ميداني، رغم أنه لم يشارك في وضع اللبنات الأولى للاستراتيجية العسكرية التي سبقت الحرب بثمانية أشهر.
إن اتهام الأردن بالتقصير أو التنسيق المنفرد يتجاهل حقيقة أن الأردن لم يُستدعَ للمشاركة في مطبخ القرار العسكري بدمشق منذ البداية. بل إن الجيش الأردني هو الطرف الوحيد الذي استطاع الحفاظ على ما تبقى من "عروبة القدس" والضفة الغربية في ظل تشرذم القرار العسكري العربي.
خاتمة القول، إن سقوط القسطل واستشهاد الحسيني، ومن ثم النكبة الكبرى، لم يكن نتيجة تخاذل أردني كما يروج البعض، بل كان نتيجة حتمية لـتشتت الرؤوس العربية. لقد أدارت اللجنة العسكرية بدمشق الحرب بعقلية الهواة، ثم تركت للأردن مهمة مواجهة النتائج الكارثية تحت مسمى القيادة العامة الصورية. إن إنصاف التاريخ يقتضي الاعتراف بأن الأردن دفع ثمن واقعيته العسكرية في زمن غلبت فيه الشعارات على الحقائق الاستخباراتية والميدانية.