هل ما زال «سلطان الإرادة» قائمًا في العقود الرقمية؟
د.جلال الشورة
01-04-2026 09:00 AM
شكّل مبدأ «سلطان الإرادة» أحد الأعمدة المركزية في بناء القانون المدني. فالعقد، في النظرية التقليدية، يقوم على توافق إرادتين حرتين، ويُفترض أن كل التزام ناشئ عنه إنما يستمد قوته من رضاٍ واعٍ صادر عن طرفين متكافئين في حرية الاختيار.
هذا التصور ظلّ مستقرًا في الفقه والقضاء، وأصبح من المسلّمات التي لا يُعاد النظر فيها إلا نادرًا. غير أن التحول الرقمي المتسارع يفرض إعادة طرح السؤال: هل ما زال هذا السلطان قائمًا بالصورة ذاتها في بيئة تعاقدية لم تعد تشبه البيئة التي نشأ فيها؟
في العقود الرقمية، لا يجلس الطرفان إلى طاولة تفاوض، ولا تُناقش الشروط بندًا بندًا، بل يُعرض على المستخدم نموذج معدّ سلفًا، طويل ومعقد في الغالب، ولا يملك حياله سوى القبول أو الامتناع. وغالبًا ما يكون الامتناع غير واقعي عمليًا، لأن الخدمة أو المنصة أو التطبيق أصبحت جزءًا من الحياة اليومية أو المهنية.
هنا لا ينعدم الرضا من الناحية الشكلية؛ فالمستخدم يضغط زر «أوافق»، ويُعتبر قانونًا قد عبّر عن إرادته. لكن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة هذه الإرادة: هل هي إرادة حرة بالمعنى الذي افترضه البناء الكلاسيكي، أم أنها إرادة مقيدة بإطار تقني واقتصادي سابق على التعاقد؟
إن سلطان الإرادة، في تصوره التقليدي، يفترض وجود خيار حقيقي، وقدرة على المفاضلة، وإمكانية واقعية للرفض دون خسارة جوهرية. أما في كثير من العقود الرقمية، فإن البديل قد يكون العزلة عن خدمة أساسية، أو الحرمان من أداة مهنية، أو الخروج من بيئة اجتماعية رقمية أصبحت ضرورة أكثر منها ترفًا.
لا يعني ذلك أن الإرادة قد اختفت، ولا أن العقد الرقمي باطل في ذاته. فالقانون لا يشترط مساواة مطلقة بين الأطراف، كما أن وجود نماذج معيارية ليس أمرًا مستحدثًا بالكامل. غير أن الفارق يكمن في حجم الانتشار، ودرجة الاعتماد المجتمعي، وطبيعة السيطرة التقنية التي تفرض شروطًا غير قابلة للتعديل.
في هذا السياق، يبدو أن سلطان الإرادة لم يسقط، لكنه لم يعد يمارس بالصورة المطلقة التي افترضتها النظرية الكلاسيكية. فقد انتقل من إرادة تفاوضية إلى إرادة انضمامية، ومن تعبير عن اختيار متوازن إلى قبول في إطار منظومة تقنية سابقة الإعداد.
وهنا يبرز التحدي القانوني: هل تكفي أدوات القانون المدني التقليدية، كعيوب الرضا أو فكرة الشروط التعسفية، لضبط هذا النمط من التعاقد؟ أم أن البيئة الرقمية تكشف حدود التصور القديم للحرية التعاقدية، وتدفع نحو قراءة أكثر واقعية لمفهوم الرضا؟
إن التحول الرقمي لا يفرض إلغاء سلطان الإرادة، لكنه يكشف أنه لم يعد مفهومًا مطلقًا، بل مبدأ يعمل ضمن شروط اقتصادية وتقنية معقدة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الإرادة موجودة من عدمها، بل ما إذا كانت الإرادة، في سياقها الرقمي، تحتفظ بذات القوة التي منحها لها الفقه الكلاسيكي.