رغم كل الأزمات والتحديات الكبرى التي عاشتها المملكة جراء التحديات الإقليمية والعالمية التي فرضت نفسها علينا، إلا أن الأردنيين لم يعيشوا في أزمة إطلاقاً، ولم يشعروا يوماً بأنهم في قلب أزمة، بينما عانى العالم من التضخم وانقطاع السلع والطاقة والانهيارات الاقتصادية والأمنية طيلة السنوات الماضية، فما السر؟
الأردن بقي مستقراً آمناً وكأن كل ما يحدث حوله "مجرد حلم" عابر لم يمس الواقع المعيشي، ومع ذلك لم يشعروا يوماً بأنهم في قلب أزمة، وتحديداً في "الأزمة العاشرة" الكبرى التي واجهها اقتصادنا مؤخراً في مواجهة تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وقبلها الأزمة المالية العالمية، و"الربيع العربي"، والإرهاب، واللجوء السوري، وانقطاع الغاز المصري، وكورونا، والحرب الروسية، والعدوان على غزة.
تحدي الحرب الأمريكية الإيرانية مؤخراً وتداعياتها التي أثرت على سلاسل التوريد، وإمدادات الطاقة، وأسعارها عالمياً، كل ذلك مرَّ على الأردن بسلام، وكان شيئاً لم يحدث أو يتغير. فبقي الاقتصاد مستقراً كما هو دون تغيير، والمملكة تنعم بالأمن، والسلع متوفرة وبأسعار مستقرة دون أي انقطاع. والسؤال هنا: هل هذه صدفة أم ضربة حظ؟
الجهود التي بذلت من قبل الحكومة وجميع الأجهزة كانت، كما العادة، استراتيجية مميزة، وأثبتت أن الأردن دولة عميقة في حل الأزمات ومواجهتها. فالعالم كله تأثر، بينما لم يشعر الأردنيون بأي أزمة، ولم تنقطع عنهم أي سلعة أو طاقة من كهرباء وماء، وبقيت سيادته مصانة وسماؤه محرمة على الجميع، متصدين لأي اختراق لأجوائها.
وهنا تكمن القصة الحقيقية، فالأردن لم يتعامل مع الأزمات بردة فعل، بل بعقل الدولة التي تبني سياساتها على "التوقع والاستباق". فتم تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز "المخزون الاستراتيجي" من السلع، ورفع جاهزية المؤسسات، بما جعل أي أزمة خارجية تفقد قدرتها على التأثير المباشر على المملكة واقتصادها وأمن مواطنيها.
الاقتصاد الأردني أثبت قدرة على التكيف، وامتصاص الصدمات، والحفاظ على استقراره، وهو ما يؤكد أن ما تحقق من منعة وقوة في مواجهة هذه التحديات لم يكن صدفة أو بالحظ، بل نتيجة نهج طويل من الإدارة الحذرة والمتوازنة.
خلاصة القول: إن الأردنيين لم يشعروا بكل تلك الأزمات، ليس لأنهم بعيدون عنها، بل لأن دولتهم نجحت في احتوائها قبل أن تصل إليهم، وهذه هي المعادلة الأصعب التي لا تتحقق إلا في الدول التي تمتلك رؤية وقيادة وقدرة على الفعل، وفي دول عميقة واستراتيجية كما الأردن.
الراي