أوروبا تحذر: “أمريكا ترامب” أخطر من الصين على أمنها … والناتو على حافة التصدع
سمير حمدان - بودابست
11-04-2026 10:00 AM
ما الذي يحدث حين يتحول الحليف إلى مصدر قلق، لا بسبب ضعفه، بل بسبب قوته غير المنضبطة، حين لا تعود المشكلة في نوايا الخصوم، بل في تقلبات الشريك، عندها لا يُعاد رسم السياسات فقط، بل يُعاد تعريف معنى الأمان نفسه، وهذا بالضبط ما تواجهه أوروبا اليوم داخل حلف شمال الأطلسي، حيث لم يعد السؤال كيف يُردع الخارج، بل كيف يُفهم الداخل.
اللقاء المتوتر بين دونالد ترامب ومارك روته ( أمين عام حلف شمال الأطلسي ) لم يكن مجرد حادثة دبلوماسية، بل لحظة كاشفة، لأن ما ظهر لم يكن خلافًا حول ملف محدد، بل اختلافًا في تصور العالم نفسه، واشنطن تتصرف كقوة تفرض الإيقاع وتنتظر الاصطفاف، بينما ترى أوروبا أن الاصطفاف الأعمى لم يعد ممكنًا في عالم تتداخل فيه المخاطر، وتتضاعف فيه كلفة القرار.
في هذا التحول، لم تعد الولايات المتحدة حليفًا يمكن التنبؤ به، بل لاعبًا يعيد خلط الأوراق باستمرار، يضغط، يهدد، يرفع السقف ثم يعيد صياغته، وهذه الديناميكية ليست تكتيكًا عابرًا، بل أسلوب حكم، يجعل العلاقة مع واشنطن أقرب إلى إدارة أزمة دائمة، لا إلى شراكة مستقرة، وهنا يكمن جوهر القلق الأوروبي، ليس في القوة الأمريكية، بل في غياب ثباتها.
لهذا لم يعد غريبًا أن تُقال العبارة التي كانت تُعتبر مستحيلة، أن “أمريكا ترامب” قد تكون أخطر على الأمن الأوروبي من الصين، ليس لأنها خصم، بل لأنها تخلق حالة عدم يقين، تدفع أوروبا إلى التحرك تحت الضغط، وتضعها أمام خيارات حادة بين الانخراط في صراعات لا تريدها، أو مواجهة غضب الحليف نفسه، وهو نوع من الضغط الاستراتيجي لا يقل خطورة عن أي تهديد خارجي.
ملف إيران كشف هذه الفجوة بوضوح، واشنطن تريد سرعة وحسمًا، بينما ترى أوروبا أن التسرع قد يكون بداية انزلاق طويل، لأنها تدرك أن أي مواجهة في الخليج لن تبقى إقليمية، بل ستنعكس على الطاقة، على الأسواق، على الداخل السياسي، ولهذا تتعامل بمنطق إدارة المخاطر، لا منطق فرضها، وهذا الاختلاف ليس تفصيليًا، بل يعكس رؤيتين متناقضتين لدور القوة في العالم.
ما يزيد تعقيد المشهد أن هذا التباين لم يعد يُدار بهدوء، بل بلغة صادمة، حيث يتحول الضغط إلى خطاب علني، والاختلاف إلى توتر مكشوف، وهذا بحد ذاته يضرب صورة التحالف، لأن القوة الجماعية لا تقوم فقط على القدرات، بل على الثقة، وحين تتآكل الثقة، تصبح كل قوة قابلة للتشكيك.
في هذا السياق، لم يعد حلف شمال الأطلسي ذلك الإطار الصلب الذي لا يُمس، بل كيانًا يتعرض لاختبار حقيقي، ليس من الخارج، بل من داخله، لأن الخطر الأكبر على التحالفات لا يأتي حين تواجه خصمًا قويًا، بل حين تفقد وضوحها الداخلي، وتتحول إلى تجمع أطراف لا تتفق على تعريف الخطر نفسه.
أوروبا اليوم لا تبحث عن مواجهة مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته لم تعد قادرة على الاستمرار في علاقة غير متوازنة، ولهذا بدأت، بهدوء، في إعادة حساباتها، تعزيز قدراتها، وتوسيع هامش قرارها، ليس كبديل كامل، بل كشبكة أمان، لأن الاعتماد المطلق لم يعد خيارًا مريحًا كما كان.
المعضلة أن هذا التحول لا يمكن أن يحدث بسرعة، فالتاريخ، والبنية العسكرية، والاعتماد المتراكم، كلها عوامل تربط أوروبا بالولايات المتحدة، لكن في المقابل، القلق يتراكم أيضًا، ومع كل أزمة، يتقدم سؤال الاستقلال خطوة إلى الأمام، حتى لو لم يُعلن بشكل صريح.
وإذا استمرت مقاربة دونالد ترامب القائمة على الضغط وإعادة تعريف الالتزامات، فإن التهديد قد يتجاوز حدود الخطاب، إلى إعادة انتشار فعلي، تقليص في الدور، أو حتى تفريغ الحلف من مضمونه دون إعلان رسمي، وهذا أخطر السيناريوهات، لأن الانسحاب البطيء لا يخلق صدمة، بل يخلق فراغًا يتوسع بصمت.
في المقابل، يستعد الأوروبيون لهذا الاحتمال بطريقة غير صاخبة، عبر بناء قدرات مستقلة، وتعزيز التنسيق الداخلي، ومحاولة الحفاظ على الحلف في الوقت ذاته، وهو توازن دقيق بين البقاء والاستعداد لما بعده، لأن الهدف لم يعد فقط حماية أوروبا من الخارج، بل أيضًا من تقلبات الداخل.
هنا تتشكل اللحظة الأخطر، ليس لأن الحلف سينهار فجأة، بل لأنه قد يتآكل تدريجيًا، حيث تبقى الهياكل، وتضعف الروابط، وتتحول الشراكة إلى إجراء شكلي، وعندها لن يكون السؤال من يهدد أوروبا، بل ما إذا كانت قادرة على إعادة بناء أمنها في عالم لم يعد الحليف فيه ثابتًا، بل متغيرًا بقدر ما هو قوي .