من هدنة هشة إلى فوضى مُدارة: كيف يُعاد تشكيل الشرق الأوسط على حساب الدولة الوطنية
م. سعيد المصري
11-04-2026 10:47 AM
المحطة الاولى : وقف نار ام استراحة محارب.
في منطقتنا، لم تعد المفارقات مجرد ظواهر عابرة، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها تُدار من خلالها الأزمات وتُصاغ بها الوقائع.
ففي الوقت الذي يُعلن فيه عن اتفاق هش لوقف إطلاق النار يمتد لأسبوعين في سياق الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، تتكشف سريعًا هشاشة هذا الاتفاق، لا من خلال خرقه المباشر فحسب، بل عبر ما هو أخطر: اختلاف الروايات حوله.
اختلاف الترجمة من الفارسية إلى لغات أخرى لم يعد تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّل إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة تفسير الالتزامات، وتفريغ الاتفاق من مضمونه قبل أن يجف حبره.
يأتي ذلك قبل ساعات فقط من انطلاق مفاوضات حساسة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، وكأن الإقليم يُدار بمنطق “التفاوض تحت النار”، لا “التفاوض لوقف النار”.
وفي موازاة ذلك، يتسع مسرح العمليات بدل أن ينكمش.
لبنان، الذي كان يُفترض أن يكون خارج نطاق هذا الاتفاق أو على هامشه، يتحول إلى ساحة مفتوحة، مع عمليات عسكرية إسرائيلية تهدف—وفق ما يُعلن—إلى إنشاء نطاق أمني يطال ربع الأراضي اللبنانية تقريبًا، بذريعة تحييد خطر الصواريخ.
لكن ما يجري على الأرض يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.
فاستهداف أحياء مكتظة في بيروت، تحت ذرائع تكتيكية محدودة، يعكس انزلاقًا نحو نمط من العمليات لا يفصل بين الهدف العسكري والكلفة المدنية، بل يكاد يذيب الحدود بينهما.
وهنا تتجلى المفارقة الأكثر قسوة:
وقف إطلاق النار لم يعد وقفًا للنار، بل تحوّل إلى ما يشبه “استراحة محارب” تُعاد خلالها تموضع القوى، وتُضخ عبرها حملات إعلامية أكثر حدّة، تمهيدًا لجولات تصعيد لاحقة.
إننا أمام حالة لا يمكن وصفها بسهولة ضمن القوالب التقليدية:
ليست حربًا شاملة تُحسم، ولا تهدئة حقيقية تُبنى عليها الثقة.
بل حالة هجينة تُدار فيها الفوضى، ويُعاد إنتاجها بشكل مستمر.
في هذا المشهد، لا يكون الخداع استثناءً، بل يصبح جزءًا من قواعد اللعبة.
كل طرف يتهم الآخر بالمراوغة، بينما يمارس بدوره إعادة تفسير الوقائع بما يخدم استراتيجيته.
أما الخاسر الحقيقي، فليس طرفًا على طاولة المفاوضات، بل شعوب المنطقة.
مدنيون يحاولون اقتناص لحظات قصيرة من الاستقرار ليؤمنوا أرزاقهم، فيجدون أنفسهم مرة أخرى رهائن لتقلبات لا يملكون التأثير فيها.
إن أزمة هذه المرحلة ليست فقط في شدة الصراع، بل في انهيار الثقة بمعناه العميق:
الثقة في الاتفاقات، في الوساطات، وفي قدرة النظام الإقليمي والدولي على إنتاج حد أدنى من الاستقرار.
وحين ترتفع أصوات المدافع أعلى من أصوات السياسة، يصبح السلام نفسه فكرة مؤجلة، أو ربما وهمًا مؤقتًا يُستدعى عند الحاجة، ثم يُسحب من التداول عند أول اختبار.
في النهاية، لا يمكن لهذه الحالة أن تستمر دون كلفة تاريخية.
فالمجتمعات التي تُترك طويلًا على حافة الانفجار، لا تفقد فقط أمنها، بل تفقد تدريجيًا إيمانها بإمكانية الخروج من هذا النفق
المحطة الثانية: من نقل التكنولوجيا إلى تأجيج الصراع… الخليج على مسار استقطاب طويل
في ظاهرها، تبدو جولة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في دول الخليج العربي خطوة براغماتية ضمن منطق تبادل المنفعة في زمن الحرب.
لكن في عمقها، تكشف هذه الجولة عن مسار أكثر خطورة: نقل التكنولوجيا العسكرية بوصفه أداة لإعادة تشكيل ميزان القوى، وتأجيج صراع طويل الأمد في الخليج العربي.
زيلنسكي لم يأتِ إلى الخليج بخطاب سياسي تقليدي، بل عرض نموذجًا قتاليًا أثبت فعاليته في البحر الأسود:
مسيّرات هجومية منخفضة الكلفة، نجحت في استهداف قطع بحرية روسية، وساهمت في فك جزئي للحصار المفروض على الموانئ الأوكرانية.
غير أن نقل هذا النموذج إلى الخليج لا يمكن قراءته بمعزل عن الجغرافيا السياسية للمنطقة.
فالطرف المستهدف بتبنّي هذه التكنولوجيا هو دول الخليج العربي،
أما الطرف الذي تُوجَّه ضده هذه القدرات بشكل غير مباشر، فهو إيران،
وأما الساحة المحتملة للاستخدام، فهي مضيق هرمز—أحد أخطر نقاط الاختناق في العالم.
هنا، تتحول الفكرة من “حل تقني” إلى “إعادة تموضع استراتيجي”.
فامتلاك دول الخليج لقدرات مسيّرات هجومية قادرة على تهديد الأصول البحرية، إلى جانب تطوير مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة لمواجهة مسيّرات “شاهد” الإيرانية، لا يعني فقط تحسين الدفاع، بل يعني بناء قدرة ردع غير تقليدية موجهة بشكل مباشر نحو إيران.
لكن الأخطر من ذلك، هو أن هذا المسار لا يتوقف عند حدود الردع، بل يحمل في طياته منطق التصعيد التراكمي.
فأوكرانيا، التي واجهت مسيّرات إيرانية في حربها مع روسيا، تنقل اليوم خبراتها إلى دول قد تستخدم هذه التقنيات في مواجهة إيران نفسها.
وبذلك، لا يجري فقط نقل التكنولوجيا، بل يجري أيضًا نقل منطق الصراع.
تتشكل هنا حلقة متكاملة من إعادة تدوير التوتر:
إيران تدعم روسيا،
أوكرانيا تطوّر وسائل المواجهة،
ثم تُنقل هذه الوسائل إلى الخليج،
لتُستخدم في بناء توازن ردع—أو صراع—مع إيران في مسرح مختلف.
ومع تسارع هذا المسار، تبدأ ملامح اصطفاف إقليمي بالظهور:
دول الخليج، مدفوعة بهاجس حماية تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، تتجه نحو تعزيز قدراتها العسكرية غير التقليدية،
وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه التحركات بوصفها تهديدًا مباشرًا، ما يدفعها إلى تطوير أدوات مضادة، سواء عبر تعزيز قدراتها الصاروخية أو تكثيف استخدام المسيّرات.
وهكذا، لا نكون أمام سباق تسلح تقليدي، بل أمام سباق تكيف تكنولوجي سريع، منخفض الكلفة، عالي التأثير، وقابل للتوسع.
في هذا السياق، يصبح مضيق هرمز ليس فقط ممرًا للطاقة، بل محورًا لإعادة تشكيل توازنات القوة في الخليج.
وأي استثمار في أدوات كسر الحصار أو فرضه، يتحول تلقائيًا إلى استثمار في بنية صراع طويلة الأمد.
إن ما يبدو اليوم كحلول تكتيكية لحماية الملاحة، قد يتحول غدًا إلى بنية دائمة من الاستقطاب.
فكلما زادت قدرة طرف على كسر التهديد، زادت حاجة الطرف الآخر إلى تطوير تهديد مضاد.
وبذلك، يدخل الخليج العربي تدريجيًا في معادلة خطرة:
معادلة لا تقوم على تحقيق توازن مستقر، بل على إدارة توتر مستمر.
في النهاية، لا تُقاس خطورة هذه التحولات فقط بنوعية السلاح أو كفاءته،
بل بقدرتها على تثبيت منطق الصراع كحالة دائمة، لا كاستثناء
المحطة الثالثة: مفاوضات تحت الضجيج… هل يُراد لها أن تنجح؟
في إسلام آباد، لا تبدأ المفاوضات من نقطة الصفر، بل من ركام كثيف من انعدام الثقة، وتراكمات من الشكوك المتبادلة، وسرديات متناقضة تُصاغ بلغات مختلفة، لا تترجم فقط الكلمات، بل تعيد تشكيل المعاني ذاتها.
تدخل الوفود الإيرانية والأمريكية قاعة التفاوض، لكن معالم الاختلاف تسبقهم إلى الطاولة.
نصوص أولية تُكتب بصيغ متعددة، تتقاطع في بعض البنود، وتتصادم في أخرى، في مشهد يعكس أن الخلاف ليس فقط على التفاصيل، بل على تعريف الواقع نفسه.
في هذا السياق، لا تبدو المفاوضات كمسار لحل النزاع، بل كمساحة لإدارة التناقضات:
محاولة لاقتناص تنازلات، وتسجيل نقاط سياسية، وإعادة تثبيت مواقف أكثر منها السعي إلى تسوية شاملة.
تُصر إيران على شرعنة ما تسميه “وحدة الساحات”، بوصفها امتدادًا لمنظومة الردع الإقليمية،
بينما تعمل الولايات المتحدة على تفكيك هذا المفهوم، واحتوائه ضمن أطر منفصلة، خشية تحوّله إلى مظلة تصعيد عابر للحدود يهدد توازنات حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل.
وهنا يتفجر أحد أعقد محاور الخلاف: لبنان.
فالولايات المتحدة تسعى إلى فصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق محتمل مع إيران،
بينما تدفع طهران باتجاه وضع لبنان في صلب التفاهمات، باعتباره خط تماس مباشر مع أي تصعيد إقليمي.
وكأن كل طرف لا يسعى فقط إلى تثبيت شروطه، بل إلى إعادة تعريف نطاق الاتفاق نفسه.
وفي خلفية هذا المشهد، تجلس إسرائيل على تخوم الجنوب اللبناني—ليس كطرف مباشر على الطاولة، بل كفاعل حاضر في حسابات الجميع.
ترقب بصمت، لكنها تفضّل فشل المسار، إذ إن نجاحه قد يقيّد هامش حركتها، بينما فشله يعيد فتح المجال أمام خيارات عسكرية أوسع.
هكذا، تتحول المفاوضات إلى مشهد مزدوج:
طاولة حوار في الداخل، وتصعيد محتمل ينتظر في الخارج.
لكن وسط هذا التعقيد، تبرز مفارقة تستحق التوقف:
إذا كانت إيران حريصة على حماية حلفائها، وعلى رأسهم في لبنان،
وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تهدئة تضمن أمن حلفائها،
فلماذا لا يتجه المسار نحو تسوية أوسع، بدل هذا الدوران في حلقات جزئية؟
تسوية تقوم على معادلة واضحة:
وقف شامل للحرب في المنطقة،
إدماج إيران تدريجيًا في النظام الدولي ضمن ترتيبات تضمن مصالحها السيادية،
وفي المقابل، إعادة تنظيم الساحات الإقليمية على أساس الدولة الوطنية.
في لبنان، يعني ذلك انسحابًا إسرائيليًا مقابل ترتيبات أمنية واضحة،
وتعزيز دور الدولة اللبنانية وجيشها كجهة وحيدة لحماية الحدود،
بما يفتح الباب لمعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة ضمن تسوية متدرجة.
وفي العراق، يمكن أن يأخذ المسار شكل دمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية،
بما يعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة.
أما في اليمن، وربما لاحقًا في ليبيا، فيمكن البناء على نفس المبدأ:
حكومة واحدة، وجيش وطني واحد، وسيادة غير منقوصة.
هذه ليست وصفة مثالية، بل إطار واقعي إن توفرت الإرادة السياسية.
لكن ما يجعلها تبدو بعيدة، هو أن منطق إدارة الصراع لا يزال يتقدم على منطق حله.
فالتأزيم، في كثير من الأحيان، لا يكون نتيجة فشل المفاوضات، بل قد يكون أحد أهدافها غير المعلنة:
تشتيت، استنزاف، وإبقاء جميع الأطراف ضمن حالة توازن هش يمكن التحكم به.
وهكذا، تبقى إسلام آباد محطة تفاوض،
لكنها أيضًا مرآة تعكس حقيقة أعمق:
أن الطريق إلى الحل معروف نظريًا،
لكن الوصول إليه لا يزال محكومًا بإرادات مترددة، ومصالح متضاربة، ونظام دولي يفضّل إدارة الأزمات بدل إنهائها.
المحطة الرابعة: جردة حساب الدولة الوطنية… حين يتقدّم الولاء للخارج على سيادة الداخل
بعد كل ما سبق—من هدنة هشة، إلى نقل الحروب عبر التكنولوجيا، إلى مفاوضات تُدار أكثر مما تُحسم—تعود المسألة إلى جوهرها الحقيقي:
حالة الدولة الوطنية في الإقليم، وقدرتها على البقاء كإطار جامع للسيادة والقرار.
ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمات متفرقة، بل نتيجة تراكمية لتآكل مفهوم الدولة الوطنية، وانزلاقه في بعض الحالات إلى نموذج الدولة الفاشلة.
في هذا النموذج، لم تعد الدولة هي الحاضن الوحيد للسلطة،
بل ظهرت داخلها “دول موازية”:
أحزاب مسلحة، ميليشيات، وأمراء حرب، تقاسمت النفوذ، واختطفت القرار، وأعادت تشكيل الجغرافيا السياسية داخل حدود الدولة نفسها.
الأخطر من ذلك، أن هذه الكيانات لم تبقَ محلية الطابع،
بل تحولت—بدرجات متفاوتة—إلى امتدادات لمصالح قوى خارجية،
ما فتح الباب أمام تدخلات عميقة، لم تكتفِ بالتأثير، بل وصلت في حالات عديدة إلى تقويض الاستقرار، وإشعال حروب أهلية مدمّرة.
وليس من الصعب استحضار أمثلة دامية على ذلك:
ليبيا، اليمن، السودان—نماذج لدول انهارت فيها المنظومة الوطنية، وتحولت إلى ساحات صراع مفتوح، يصعب فيها إعادة بناء الدولة من جديد.
في المقابل، هناك نماذج أخرى، أكثر تماسُكًا وإن لم تكن محصّنة بالكامل.
دول حافظت على قدر من وحدتها الوطنية، رغم وجود ظواهر مسلحة موازية، وأظهرت محاولات—بدرجات متفاوتة من النجاح—لإعادة دمج هذه القوى ضمن مؤسسات الدولة، خصوصًا المؤسسة العسكرية.
العراق يمثل مثالًا على هذا المسار المعقّد،
وكذلك سوريا إلى حدّ ما، حيث لا يزال التحدي قائمًا، لكن فكرة استعادة مركزية الدولة لم تسقط بالكامل.
أما الحالة اللبنانية، فتبدو الأكثر إشكالية وتعقيدًا.
فهي لا تعكس فقط ضعف الدولة، بل تعكس أيضًا تعددًا في تعريف مفهوم الوطنية ذاته.
قرار حزب الله بالمشاركة في الحرب الأخيرة ضد إسرائيل، دعمًا لإيران، شكّل—برأيي—خروجًا واضحًا عن منطق الدولة، وعن مبدأ الإجماع الوطني.
فلبنان، الذي كان يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، وجد نفسه يُزج في صراع إقليمي لا يملك أدواته، ولا يتحمّل كلفته.
وكانت النتيجة مباشرة:
تصعيد عسكري، اجتياح إسرائيلي لأجزاء من الجنوب،
ثم العودة إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف، لمعالجة تداعيات قرار لم يكن وطنيًا جامعًا.
وهنا، لا بد من طرح السؤال بوضوح:
ما هو مستقبل الدولة اللبنانية في ظل استمرار ازدواجية القرار بين الدولة والسلاح خارجها؟
برأيي، لا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته دون معالجة هذه الإشكالية من جذورها.
القرار الأممي 1701 كان—ولا يزال—يوفر إطارًا واقعيًا يمكن البناء عليه:
تحويل حزب الله إلى حزب سياسي كامل ضمن الحياة الديمقراطية،
وإنهاء الحالة العسكرية الموازية، عبر تسليم السلاح إلى الجيش اللبناني،
مقابل ترتيبات تضمن انسحاب إسرائيل، واحترام السيادة اللبنانية بشكل كامل، بضمانات دولية واضحة.
هذا المسار ليس استهدافًا لطرف، بل إعادة تصويب لمفهوم الدولة.
فالدولة لا يمكن أن تقوم بمرجعيتين للقرار، ولا بسيادتين متوازيتين.
إن الانتماء، في لحظات الأزمات الكبرى، لا يحتمل الالتباس:
إما أن يكون للوطن،
أو يتحول—بشكل أو بآخر—إلى أداة في صراعات الآخرين.
وفي هذا السياق، فإن جردة الحساب لا يجب أن تكون موجهة إلى لبنان وحده،
بل إلى الإقليم بأكمله.
فالدولة الوطنية، إذا لم تُستعد كمركز وحيد للقرار والسيادة،
ستبقى عرضة للتفكك،
وستبقى مجتمعاتها رهينة لصراعات لا تنتهي