facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحاكم الظل ونبرئ الحقيقة


د. نضال المجالي
07-06-2026 12:14 AM

ما قدمه الفنان السوري حسني البورازان في مشهد تلفزيوني يوما ما من مقولة مشهورة "إذا أردنا أن نعرف ماذا يحدث في إيطاليا علينا أن نعلم ما يحدث في البرازيل" تذكرت أن هناك بعضا من المجتمع يمتلك موهبة نادرة في اكتشاف المشكلة الخطأ في الوقت الخطأ، فإذا أخطأ شخص في سلوك ما، وانشغل الناس جميعا بكلمة قاسية وردت في رسالة توعية أو أكد أهميتها أحد المعنيين عندهم، تصبح الكلمة هي الجريمة الكبرى، أما الفعل الذي استدعى كل هذا الجدل فيتحول إلى تفصيل صغير لا يستحق الذكر.

تجد في بيئتهم أحدهم يغش، أو يكذب، أو يسيء استخدام منصبه، فتقوم الدنيا هناك لأن شخصا وصفه بصفة غير لائقة، وفجأة يصبح السؤال: لماذا كانت العبارة قاسية؟ ولا أحد يسأل: ولماذا كان الفعل قبيحا أصلا؟

حتى إنهم هناك يفعلون الشيء نفسه مع تراثهم، يثورون غضبا على لوحة إعلانية أو مشهد تلفزيوني بحجة أنه يمس التراث والعادات والتقاليد، فتكتب المقالات، وتعقد الندوات، وتستنفر حالة الرفض الثقافي، لكنهم هناك نسوا أن التراث لم تقتله لوحة إعلانية، بل قتلوه حين استبدلوا مجالسهم بالشاشات، وجيرانهم بالتطبيقات، وحكايات جداتهم بمقاطع لا تتجاوز عشر ثوان اسمها "ريلز".

رأيتهم يغضبون لأن إعلانا شوه صورة الماضي، بينما الماضي نفسه يقف على الرصيف ينتظر من يتذكره.
وفي التعليم أيضا، انشغلوا هناك بشكل الشهادة أكثر من مضمونها، أعجبهم الإطار الذهبي الذي يحيط بالوثيقة، ونسوا أن صاحبها قد لا يقرأ كتابا بعد تخرجه بيوم واحد، المهم أن الصورة جميلة، وأن قبعة التخرج ألقيت في الهواء، أما المعرفة فقد بقيت جالسة في القاعة تنتظر من يحملها معه.

وفي الإعلام، لا يسألون إن كانت المعلومة صحيحة، بل من قالها، فإن أحبوه صدقوه قبل أن ينطق، وإن اختلفوا معه كذبوه قبل أن يكمل الجملة. وهكذا تحولت الحقائق عندهم إلى مشجعين في مدرجات متقابلة، كل فريق يصفق لما يناسبه ويطلق الصافرات على ما لا يعجبه.

حتى في القضايا العامة، يناقشون القشور بحماس العلماء ويتركون الجذور بكسل المتفرجين، رأيتهم يختلفون على لون الطلاء بينما الجدار يتصدع، ويتجادلون حول شكل القارب بينما الماء يتسرب إليه من كل الجهات.

وربما أعظم مفارقاتهم شهدتهم يطالبون بالإصلاح دائما، لكن بشرط ألا يبدأ من عندهم، يريدون مجتمعا أكثر التزاما، وشرطهم أن يبقى استثناء صغير لهم، يؤكدون رغبتهم بشوارع أكثر نظافة، شرط أن يجد الكوب الورقي الذي في يد أحدهم طريقه السريع إلى الأرض، يطالبون بمسؤولين مثاليين، بينما يمارسون في حياتهم اليومية الأخطاء نفسها التي يلومونهم عليها ولكن بأحجام أصغر.

لذلك لا عجب أن تصبح الكلمة أهم من الفكرة عندهم، واللوحة أهم من التراث، والشهادة أهم من العلم، والشعار أهم من التطبيق.

لقد أتقنوا هناك فن مطاردة الظلال حتى نسوا النظر إلى الأشياء نفسها، وكلما ظهرت مشكلة حقيقية، أسرعوا إلى اختراع مشكلة جانبية أكثر أمانا وأقل إزعاجا، ثم أمضوا الأيام يتشاجرون حولها بكل جدية، وكأنهم أنجزوا شيئا عظيما.

أما المشكلة الأصلية وحسب ما قصده محمد الماغوط في نص العمل على لسان حسني البورازان، فتجلس في الزاوية مبتسمة، مطمئنة إلى أنهم سيواصلون تجاهلها، ما داموا منشغلين بكل شيء حولها إلا بها.

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :