facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن ما بين الأمن المائي والأمن المالي؟


أ.د. عبدالله سرور الزعبي
07-06-2026 12:27 AM

في إحدى قاعات الاجتماعات، جلس مسؤولون حول طاولة طويلة تتكدس فوقها خرائط مسارات الأنابيب ومخططات "الناقل الوطني". كانت الأرقام تُقرأ بهدوء، لكن ثقلها الحقيقي كان أكبر من أن يُقال بصوت مرتفع أو أن يُعرض على الشاشات أمام الجميع؛ مليارات تتراكم، وقروض تمتد لعقود.

قال أحدهم بصوت خافت: "لا خيار آخر، الناس تحتاج إلى الماء". ثم عمّ الصمت، وكأن الجميع يدرك أن كلفة القرار لن تُدفع اليوم، بل سترافق أجيالا كاملة. وبقي السؤال معلقا في الهواء: كيف يمكن تحقيق الضرورة الوطنية بأقل كلفة ممكنة، لا أن تتحول الضرورة إلى مبرر لأي كلفة مهما بلغت؟

ومن هنا يأتي تصريح وزير المياه حول احتمال ارتفاع مديونية سلطة المياه إلى نحو 15 مليار دينار بعد تنفيذ المشروع، بوصفه أحد أثقل التصريحات الاقتصادية في السنوات الأخيرة؛ ليس بسبب التشكيك في ضرورة المشروع، بل لأن حجم الأرقام يفتح أسئلة اقتصادية واجتماعية عميقة لا يمكن التعامل معها بالشعارات أو بالصمت.

في الدول الفقيرة مائيا، لا تبدأ الأزمة مع شح المياه، بل حين تتحول إدارة العطش إلى اقتصاد قائم على الديون، فيصبح المواطن مطالبا بدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. عندها لا يعود السؤال: كيف نوفر الماء؟ بل: من سيدفع الكلفة، ومتى؟

ولا خلاف على أن الأردن يواجه أزمة مائية معقدة جعلت المياه قضية سيادية ترتبط بالاستقرار الوطني. ومن هنا يأتي مشروع الناقل الوطني خيارا إستراتيجيا يتجاوز كونه مشروعا خدميا، ليعزز استقلال الدولة مائيا ويقلل هشاشتها في منطقة أصبحت فيها المياه جزءا من معادلات النفوذ والبقاء، انسجاما مع التوجيهات الملكية بحماية الأمن المائي وتعزيز قدرة الدولة على الإنجاز والاستقرار.

لكن هنا تبدأ المعضلة الكبرى؛ فالأردن يقف أمام مفارقة قاسية: المشروع ضرورة سيادية لحماية الأمن المائي، لكنه يرفع مديونية سلطة المياه، وفق تصريحات وزير المياه، إلى قرابة 15 مليار دينار. والأخطر أن كل مرحلة من المشروع تحمل تقديرات أعلى من سابقتها، وأن الكلف تتضخم باستمرار وسط غياب نقاش وطني عميق حول آليات التمويل والعبء الذي سيتحمله الاقتصاد والمواطن لعقود.

فحتى المشاريع السيادية تحتاج إلى عقل اقتصادي بارد، لأن الدول لا تُستنزف بالحروب وحدها، بل أيضا بثقل الديون والفوائد حين تصبح القروض أداة دائمة لتعويض الاختلالات البنيوية، بدل أن يستند التمويل إلى اقتصاد إنتاجي قادر على تحمل كلفته المستقبلية.

إن أزمة المياه في الأردن ليست نتاج الطبيعة وحدها، بل أيضا حصيلة تراكمات إدارية طويلة، من الفاقد المائي وضعف البنية التحتية وتأخر الاستثمار في إعادة التدوير والحصاد المائي. فحين تُهدر كميات كبيرة من المياه قبل وصولها إلى المواطن، تبدو الدولة كمن يقترض لبناء خزان أكبر بدل إصلاح الثقوب أولا. لذلك لا يمكن التعامل مع المشاريع المليارية بوصفها الحل الوحيد دون معالجة أسباب الهدر والفشل الإداري المزمن.

ولا يتعلق القلق بأهمية المشروع، فهو في غاية الأهمية، بقدر ما يتعلق بتضخم كلفته. فوفق التصريحات الرسمية، ارتفعت التقديرات من نحو 3.66 مليار دولار عام 2023 إلى قرابة 5.8 مليار دولار عام 2026 مع احتساب كلف التمويل، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع، ما يفتح بابا واسعا للتساؤل حول الكلفة النهائية التي سيتحملها الاقتصاد الأردني.

وهنا يصبح من الضروري النظر إلى التجارب العالمية بالأرقام الموثقة لا بالشعارات؛ فمحطة رأس الخير في السعودية تنتج نحو 1050 مليون متر مكعب سنويا، مع خطوط نقل بطول 1290 كيلومترا، بكلفة 7.2 مليار دولار، بينما تنتج محطة الفجيرة 381 مليون متر مكعب سنويا بكلفة تقارب 700 مليون دولار، ومحطة الطويلة نحو 330 مليون متر مكعب سنويا بكلفة 874 مليون دولار، وكذلك محطة الدار البيضاء (قيد الإنشاء) لإنتاج 300 مليون متر مكعب سنويا بكلفة 887 مليون يورو (قرابة مليار دولار)، فضلا عن محطات أخرى موثقة.

وهنا يبرز السؤال: هل هذه الأرقام صحيحة أم أنها من الخيال؟ وإذا أُقر بصحتها، فإن التجارب العالمية تشير إلى أن تكلفة محطة التحلية وحدها ينبغي ألا تتجاوز مليار دولار.

كما تشير مراجعات أسعار أنابيب النقل بقطر 2.2 متر إلى أن كلفة المواد والتركيب تبلغ نحو 3000 دولار للمتر الواحد، ما يضع تكلفة تمديد الأنابيب لمسافة 450 كيلومترا في حدود 1.35 مليار دولار.

أما محطة الطاقة الشمسية بقدرة 300 ميغاواط، فقد قُدرت كلفتها بأقل من 300 مليون دولار، فيما تشير معلومات إلى أن العقد وُقع بكلفة تقارب 146 مليون دولار، إضافة إلى نحو 150 مليون دولار لخطوط نقل الطاقة، ليبلغ الإجمالي قرابة 300 مليون دولار.

أما المرافق الأخرى، مثل محطات الضخ والخزانات والأعمال البحرية وأنظمة التحكم وغيرها، فتُقدر كلفتها بنحو 700 مليون دولار. وبذلك قد يصل إجمالي كلفة المشروع إلى نحو 3.55 مليار دولار، ما لم تكن هناك بنود إضافية غير معلنة أو عناصر يجهلها كثير من المختصين.

وهو رقم قريب جدا من التقديرات التي أعلن عنها وزير المياه السابق، والبالغة 3.66 مليار دولار.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يشغل الرأي العام: ما طبيعة هذه الفجوة الرقمية؟ هل هي تضخم طبيعي في كلف التمويل، أم اختلاف في منهجيات التقدير والحساب؟ وهي أسئلة يفترض كشفها بالكامل انسجاما مع التوجيهات الملكية في تعزيز الشفافية والحوكمة.

وبحسب البيانات المعلنة، خصصت الحكومة نحو 722 مليون دينار (ما يقارب 1.02 مليار دولار) للمشروع، إضافة إلى منح بقيمة 663 مليون دولار. كما تشير تقارير عام 2023 إلى قروض تنموية بنحو 803 ملايين دولار وقروض استثمارية تقارب 1.455 مليار دولار من جهات دولية متعددة، ليصل إجمالي التمويل المتوفر إلى نحو 3.9 مليار دولار، دون احتساب مساهمات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.

وهنا يبرز سؤال جوهري حول دور المطور وحجم مساهمته الفعلية في المشروع، إذ لا يتعلق الأمر بالتشكيك بالأرقام بقدر ما يتعلق بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة. فمع اتساع حجم الكلفة، يحق للأردنيين الاطلاع على تفاصيل التمويل ونسب الفوائد والعوائد والالتزامات المستقبلية على الدولة.

ثم تبرز معضلة تعرفة المياه؛ إذ تشير التصريحات الرسمية إلى أن كلفة المتر المكعب على الحكومة تبلغ 2.7 دولار، وهي كلفة ثابتة للمياه على مدى 26 عاما لتغطية التشغيل والتمويل والعوائد الاستثمارية. وبحسب هذه الأرقام، فإن شراء 300 مليون متر مكعب سنويا يساوي 810 ملايين دولار، منها نحو 360 مليون دولار كلفة تشغيلية، فيما يذهب ما يقارب 450 مليون دولار سنويا لخدمة الدين والعوائد الاستثمارية وحقوق الملكية، أي ما يقارب 11.7 مليار دولار خلال مدة العقد.

وهنا يبرز سؤال آخر: هل هذه العوائد مبررة؟ وما حجم المخاطر التي ستتحملها الحكومة؟ وهو سؤال يستدعي وقفة جادة قبل توقيع اتفاقية الإغلاق المالي، وقبل أن يتحول المشروع إلى التزام مالي يثقل كاهل الدولة لسنوات.

كما لا يمكن إغفال ملف الفاقد المائي، الذي يبلغ وفق آخر التصريحات الرسمية نحو 42 %، مع توقع انخفاضه إلى 35 % بنهاية المشروع، ما يعني استمرار هدر يقارب 100 مليون متر مكعب سنويا بكلفة تصل إلى نحو 270 مليون دولار. ووفق الخطة الإستراتيجية، سيبلغ الفاقد عام 2040 نحو 20 %، أي ما يعادل 60 مليون متر مكعب بكلفة تقارب 162 مليون دولار.

ويضاف إلى ذلك نحو 150 مليون دولار سنويا كلفة لنقل وتوزيع المياه، ما يضاعف العبء المالي على المنظومة المائية.

وبذلك قد تصل الكلفة الفعلية للمتر المكعب على الحكومة إلى نحو 4.1 دولار، في حين يبقى متوسط سعر البيع للمشتركين أقل بكثير، إذ يبلغ نحو 0.8 دينار للمتر المكعب و0.5 دينار لخدمة الصرف الصحي. وبحسب هذه المعطيات، لن تتجاوز إيرادات الحكومة من مياه الناقل الوطني نحو 260 مليون دينار (قرابة 367 مليون دولار) سنويا بعد احتساب الفاقد وقيمة الدعم الحالي.

وهذا يعني فجوة مالية سنوية قد تصل إلى نحو 863 مليون دولار إذا استمرت على هذا النحو، ما يضع عبئا ماليا طويل الأمد على الخزينة العامة.

لكن هذه الأرقام تفتح أسئلة أعمق: هل تستطيع الدولة والمجتمع تحمل هذه الكلفة مستقبلا؟ وهل سيستمر الدعم، أم سيتحول العبء تدريجيا إلى المواطن عبر الفواتير والضرائب؟

وفي هذا السياق، تصبح الحوكمة والشفافية عنصرا حاسما، انسجاما مع الرؤية الملكية التي تؤكد أن قوة الدولة تقوم على سيادة القانون والمساءلة، وأن المشاريع الكبرى لا تُقاس بحجم البنية التحتية فقط، بل بقدر الثقة العامة التي تولدها.

كما يعمق ذلك المعضلة الاجتماعية؛ فالدين العام لا يبقى مجرد أرقام، بل ينعكس على حياة الناس اليومية. وفي ظل إرهاق اقتصادي وتآكل الطبقة الوسطى، فإن أي نموذج يرفع الكلفة دون رفع الإنتاجية يوسع الفجوة بين الحكومة والمجتمع.

لذلك يحتاج الأردن إلى نقاش وطني أعمق من مجرد الاحتفاء بالمشاريع الكبرى؛ نقاش يعيد صياغة فلسفة الإدارة عبر تقليل الهدر، وربط التسعير بالكفاءة والعدالة، ومحاسبة التقصير، وضبط تضخم الكلف، وتحويل ملف المياه من ملف استهلاك إلى ملف إنتاج وتنمية.

فأخطر ما يواجه الدول ليس الفقر وحده، بل شعور المواطنين بأنهم يتحملون كلفة أخطاء لا يملكون تغييرها.

وفي النهاية، فإن دعم مشروع الناقل الوطني لا يرتبط فقط بكونه مشروعا مائيا إستراتيجيا، بل بكونه جزءا من الرؤية الوطنية التي يؤكد عليها جلالة الملك في تعزيز الأمن المائي ورفع قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية، وهي أيضا قناعة شخصية.

لكن يبقى السؤال الأهم: لماذا لا يكون الناقل الوطني وطنيا بالفعل؟

إنه سؤال يفتح نقاشا أوسع حول فلسفة إدارة المشاريع الكبرى؛ فبدل التعقيدات البيروقراطية وسلاسل الوساطة التي ترفع الكلفة، يمكن التوجه إلى تجزئة المشروع بين بناء محطة التحلية وخطوط النقل، واستقطاب الشركات العالمية المتخصصة التي سبق لها تنفيذ مشاريع تحلية كبرى في السعودية والخليج والمغرب بكلف معروفة، مع الحفاظ على سيادة القرار والرقابة، دون الدخول في تفاصيل التنفيذ. وفي المقابل، يمكن للقطاع المحلي تنفيذ الأعمال المدنية والبنية التحتية بما يعزز قدراته دون تحميله ما يفوق طاقته.

عندها يصبح الناقل مشروعا يُدار بالعقل الإستراتيجي، لا بعبء التنفيذ الكامل.

وفي الوقت ذاته، فإن الالتزام بالتوجيهات الملكية لا يقتصر على تنفيذ المشاريع الكبرى فحسب، بل يشمل أيضا إدارتها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والكفاءة والمساءلة، بما يضمن تعظيم الفائدة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي شرق أوسط يزداد عطشا واضطرابا، قد يصبح السؤال الأهم في المستقبل ليس: من يملك الماء فقط؟ بل: من يستطيع تأمينه دون أن يفقد استقراره الاقتصادي والاجتماعي؟

* مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :