استشراف المستقبل: سلاح الثقافة و السردية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
11-04-2026 02:52 PM
مصطلح السردية متعدد الاستعمال فهنالك السردية الوطنية التي تربط تراث و جذور و تاريخ و ثقافة الدولة مع واقعها السياسي الحديث لتؤسس للهوية الوطنية و هنالك السردية الاجتماعية للدولة و التي تكتب المعيشة اليومية للمجتمعات بتوصيف اللباس و الوجبات السائدة و التقاليد و القصص و الاساطير و هذه جزء من روح اي مجتمع. اما السردية التي سأطرقها اليوم فهي اخطر من ذلك لانها الرواية التي توضع بعناية لتخاطب العقل اللاواعي للجماهير لتضع مفاهيم يبنى عليها قناعات و انماط تفكير و بالتالي قرارات و سلوك اي تشكيل الوعي العام.
معارك اليوم تخاض بالسلاح و بالسردية و الثانية اخطر من الاولى لانها قد تعزز او تخلخل الاستقرار الاجتماعي و تحشد الراي العام باتجاه صحيح او خاطئ. ابسط مثال السردية حول الدين و القومية و الطائفية القضية الفلسطينية و التي استخدمت من جهات اخرى لتوجيه وعي الشعوب و منح صكوك الغفران و فتح الابواب للتدخلات الخارجية بحيث اصبح استخدام القضية و مصطلح المقاومة و النضال اهم من القضية نفسها و اهم من النضال الحقيقي. و ما سمي بالربيع العربي ليس ببعيد عندما استخدم الدين و الحرية و الحقوق و النضال لخلخلة مجتمعات عربية و هدم دول كانت قوية منيعة فاتت السردية او الرواية لتشوه الوعي و لتهدم البناء و تنشر الفوضى.
السردية تشكل الصورة الانطباعية و تكرراها يشكل قناعات تصبح شبه مقدسة. خبر او فكرة او حدث يتم سرده بطريقة ما يصنع قناعة اولية في ذهن المتلقين و هذه القناعة تتحول الى قرار و مع التكرار تتشكل صورة انطباعية.
مثلا عندما يسمع غريب اسم الاردن يأتي في مخيلته النشامى، المنسف، بترا
عندما نسمع مصر يأتي في مخيلتنا الاهرامات الفراعنة الفن عبدالناصر
عندما نسمع مفردة الهاشميين يأتي في مخيلتنا التسامح البناء الصبر.
المقصود هنا ان كل اسم مفردة او فكر يرتبط بصورة انطباعية ان لم يصنعها اصحابها صنعها لهم غيرهم و لكن بصورة مشوهة و سلبية.
اهمية صراع السردية هو التنافس على الوعي العام و بالتالي الرأي العام و الذي ان لم تشكل له الدولة سرديتها فسيتم اختطافه لسرديات مستوردة او موجهة.
عانى الاردن طويلا و معه دول الخليج من الصورة الانطباعية التي صنعتها سردية اليسار العربي و جهات كثيرة و التي الغت من خلالها وهج الانجاز الاردني بالحفاظ على القدس و الضفة الغربية في 48 و استشهاد ثلث الفيلق العربي الاردني و فاز بالسردية من لم يحاربوا او ينتصروا. تكرر الحدث في معركة الكرامة عندما سرق من الاردن النصر و التضحيات لصالح اخرين و استخدمتها دول في حينها لشق الصف الاردني، نعم السردية العربية سرقت النصر لسنوات طويلة و تكرارها اقنع حتى بعض الاردنيين بالرواية الكاذبة و استطيع ان اسرد صفحات من سرقة الانجاز الاردني لصالح سرديات اخرى تلتقي جميعا في انها لم تقدم سوى الشعارات و الاوهام و استطاعت ان تلغي الانجازات الاردنية التي قدمت المال و الدم و الدعم السياسي.
اول حركة قومية على اساس سليم كانت الثورة العربية الكبرى و التي كانت تهدف لدولة عربية توائم بين الدين و القومية و متطلبات الدولة الحديثة و لكن سرقت هذه السردية و تم تشويه الانجاز لصالح حركة قومية تستثني الاخر و تختزل الدولة في ايديولوجيا اقصائيه.
الاردن و قيادته و مؤسساته كانت تنجز في الميدان لكن كل مرة كنا نخسر السردية اما لاننا لم نعطيها الاهمية الكافية او لاننا افترضنا ان الانجاز سيعبر عن ذاته تلقائيا لكن الحقيقة ان صراع السردية ملازم دوما لصراع السلاح.
اليوم يحتدم الصراع على السردية فهنالك قوى محيطة بنا لها مشاريع و تستهدف الوعي العام في مجتمعنا لتشوية الصورة. ايران تستخدم الطائفية بين الشيعة لحشدهم و تستخدم القضية الفلسطينية لحشد السنة و خلخلة الاستقرار و تطرح نفسها مقاومه رغم انها لم تقدم شهيد على ارض فلسطين و لم تبني مشفى او مدرسة.
اسرائيل استخدمت المحرقة لغرس عقدة الذنب في الغرب و الذين كفروا عنها باحتلال ارض و تهجير شعب و اليوم تستخدم سردية يهودية الدولة لاستكمال مشروعها بالتهجير و التوطين.
اذناب ايران و اسرائيل و معهم الفاشلون و الحاقدون يستخدمون سردية اخترعوها بان الاردن هي بادية الشام او صحراء فلسطين او الضفة الشرقية لفلسطين او كيان مؤقت ليهربوا من مسؤولياتهم بالمقاومة الحقيقية و يسهلوا الوطن البديل.
اذا حرب السردية قائم و مستمر و مع التكرار يصبح حقائق و قناعات في اذهان الجماهير و يتبعها قرارات و افعال عندما تتوفر الظروف.
آن الاوان لنخوض حرب السرديات ليس للتشوية و الايذاء و الخيانة كما يفعل غيرنا و لكن لنحافظ على منجزاتنا و نوصل الصورة الصحيحة عن وطننا و شعبنا و قيادتنا.