كيف جعلتنا السخرية نفقد حسّنا الإنساني ؟
محمد الحمادات
04-04-2026 04:56 PM
تابعتُ مرة مقطعاً من مقابلة للأستاذ ياسر العظمة يتحدث فيه عن الكوميديا والضحك، وتوقفتُ حينها عند جملة وصف بها عملية الضحك بطريقة علمية حين قال إن "الضحك يبدأ من العقل" هذه العبارة البسيطة التي استرعت انتباهي و دفعتني للبحث أكثر حول الضحك، ومن بين النظريات العلمية التي تفسر الضحك، نظرية التفريغ الانفعالي باعتبارها الأقرب لتفسير حالات السخرية السياسية المعاصرة، فهذه النظرية ترى أن الضحك يعمل كآلية نفسية لتخفيف التوتر الناتج عن مشاعر القلق أو الغضب أو الخوف، حيث يتحول الضغط النفسي إلى مفارقة ساخرة تتيح للعقل التعامل مع الموقف بطريقة أقل حدة. وهو ما يعني بشكل أكثر تبسيطا أن الضحك أكثر من مجرد استجابة، بل هو وسيلة لإعادة تأطير الحدث وتخفيف ثقله الانفعالي.
في المجال السياسي تم توظيف الضحك كأداة تأثير في الإدراك الجماعي وتشكيل المواقف، برغم صحة أن السخرية السياسية تعمل على نقد السلطة السياسية أو تفكيك خطابها، إلا أن السخرية نفسها تلعب دورًا أكثر حساسية وخطورة حيث تؤدي وظيفة معرفية تتمثل في إعادة تأطير الأحداث والشخصيات ضمن إطار أقل توتراً،
وهو ما أشار له علم النفس السياسي بأن السخرية تُسهم في تخفيف الشحنة الانفعالية المرتبطة بالقضايا السياسية، حيث تتحول الوقائع المعقدة أو المثيرة للقلق إلى مفارقات قابلة للضحك، ومع التكرار، يحدث ما يُعرف بالتخدير الانفعالي، إذ تنخفض الحساسية تجاه الحدث السياسي، ويصبح التفاعل معه أقرب إلى الاعتياد منه إلى الاستجابة الحادة.
في هذه الحالة، يفقد النقد السياسي المتشكل عبر أداة السخرية حدته، ويتحول الضحك إلى وسيلة تبسيط تضع الأحداث في إطار مألوف يسهل التعامل معه، فالاشارات العصبية الناجمة عن الضحك يفسرها العقل على أنها تجاوز للموقف السياسي بل تعطي شعورًا وهميا وغير حقيقي بالانتصار، وهكذا، يصبح الضحك أداة سياسية ذات أثر مزدوج: فهو يساهم في نزع الهيبة عن السلطة من جهة، وفي تخفيف الشعور بخطورة القرارات أو السياسات المرتبطة بها من جهة أخرى،
والهدف من كل هذا التفسير العلمي المطول حول السخرية وأثرها هو أن نفهم الطريقة التي يتم بها تناول شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الخطاب العام، فقد ارتبط حضوره بسلسلة من الجرائم والانتهاكات للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية، مما جعله نموذجاً لقيادة سياسية تتعامل مع العالم بمنطق الهيمنة الصلبة، غير آبهة بالكلفة الإنسانية أو بتداعيات قراراتها على استقرار الدول والشعوب، وهي عناصر تثير عادة مشاعر قوية من القلق أو الغضب، إلا أن الخطاب الإعلامي والثقافي أعاد تقديمه في كثير من الأحيان ضمن إطار ساخر يركز على مظهره أو أسلوبه، مثل وصفه بـ”الرجل البرتقالي” أو تصويره كشخصية متهورة، وهنا نعود لنظرية التفريغ الانفعالي، حيث تحولت هذه السخرية إلى وسيلة لتخفيف التوتر المرتبط به، حيث جرى تحويل مشاعر القلق أو الغضب إلى مادة للضحك، ومع تكرار هذا النمط، لم تعد الشخصية تُستقبل بنفس الشحنة الانفعالية، بل أصبحت جزءاً من مشهد مألوف يتعامل معه الجمهور بقدر أكبر من الفتور.
لتصبح هذه العملية وكأنها تطبيع عبر الفكاهة، حيث يؤدي تحويل الفاعل السياسي إلى رمز ساخر إلى تراجع إدراكه بوصفه تهديداً مباشراً، وهذا بالطبع لا يعني ذلك اختفاء النقد، لكنه يفقد شدته الانفعالية.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة بوضوح في الطريقة التي أصبح بها تداول شخصية دونالد ترامب في الأوساط العربية، حيث انتقلت صورته من كونها موضوعاً سياسياً مثيراً للقلق ويستدعي لدينا مشاعر الرفض إلى مادة مألوفة تتردد في النكات والتعليقات الساخرة، فلم يعد الاسم يستدعي ذلك الأثر النفسي الثقيل الذي كانت تثيره شخصيات سياسية أخرى ارتبطت بالحروب والصراعات، بالأمس وفي حوار مع صديق حول هذه النقطة تحديداً، حاولنا أن نقارن بين الأثر النفسي الذي يتولد لدينا عند سماع اسم جورج بوش، وبين الأثر ذاته عند سماع اسم دونالد ترامب، كان الفارق لافتاً؛ فاسم جورج بوش ما يزال يحمل شحنة انفعالية موحشة، تستحضر في الذاكرة صور الحرب والدمار والخوف، بينما بدا اسم ترامب أقرب إلى حالة اعتياد، خفيفة الوقع، محاطة بمفردات ساخرة وصور كاريكاتورية، وهذا الفرق في ردة الفعل لدينا ليس بسبب اختلاف موقفنا من جورج بوش عن ترامب بل هو نتيجة طريقة إدراكنا له، حيث لعبت السخرية دوراً في تخفيف الشحنة الانفعالية وتحويل الشخصية إلى عنصر مألوف في المشهد اليومي.
وتكمن الخطورة هنا في أن هذا التحول لا يقتصر على اللغة أو الأسلوب، بل يمتد إلى مستوى الإدراك النفسي. فعندما تتراجع الاستجابة الانفعالية تجاه شخصية سياسية مثيرة للجدل، ينخفض معها مستوى الحساسية تجاه القرارات أو السياسات المرتبطة بها، ويصبح الحدث أقل صدمة، وأكثر قابلية للاعتياد.
وهكذا، قد تتحول السخرية من أداة نقد إلى عامل يخفف الإحساس بخطورة الواقع السياسي، إن هذه العملية، وإن بدت طبيعية في سياق التفاعل الاجتماعي، تحمل في طياتها أثراً عميقاً على الوعي الجمعي، إذ تعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والسلطة، وتُضعف أحياناً من قدرة المجتمعات على الاحتفاظ بحسّها النقدي الحاد تجاه الأحداث التي تمس حاضرها ومستقبلها.