البيت الابيض وسرديات آخر الزمان
د. هيفاء ابوغزالة
12-04-2026 09:57 AM
لم يكن المشهد الذي جرى داخل البيت الأبيض قبل فترة مجرد لحظة دينية عابرة كما اعتاد الأمريكيون في مناسباتهم الرسمية، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي مغطّى بعباءة الصلاة. ففي قلب المؤسسة السياسية الأكثر تأثيراً في العالم وقف القس الإنجيلي فرانكلين جراهام إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، محاطاً بعدد من القساوسة، ليرفع صلاة لم تكن عن السلام ولا عن الحكمة في إدارة الأزمات، بل عن النصر في حرب يجري تقديمها وكأنها معركة ذات بعد إلهي.
في تلك اللحظة لم تكن الكلمات مجرد دعاء، بل خطاباً دينياً محمّلاً بتاريخ طويل من السرديات المقدسة. فقد استُدعيت قصة قديمة من كتاب سفر. أستير ، التي تتحدث عن تهديد تاريخي لليهود في الإمبراطورية الفارسية، ثم جرى القفز من صفحات النص القديم إلى خرائط السياسة المعاصرة، وكأن الماضي الديني يعاد إحياؤه ليمنح الحاضر شرعية جديدة. فجأة لم تعد القصة رواية تاريخية، بل رسالة سياسية مكتملة المعنى: تهديد قديم يتجدد، وقائد يظهر في لحظة مفصلية، ومعركة يجب أن تُخاض حتى النهاية.
لكن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في استدعاء النصوص الدينية لتفسير الواقع، بل في الطريقة التي يجري بها إدخال هذه السرديات إلى صميم القرار السياسي في واشنطن. فخلال العقود الأخيرة نجح التيار الصهيوني المتحالف مع قطاعات واسعة من اليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة في نقل الروايات التوراتية من المنابر الدينية إلى مراكز صنع القرار، حتى أصبحت بعض القرارات الاستراتيجية تُسوَّق للرأي العام بوصفها جزءاً من تحقق نبوءات دينية أو امتداداً لصراعات توراتية قديمة.
وفي هذا المناخ، لم يعد مستغرباً أن تُقدَّم شخصيات سياسية في الخطاب الديني باعتبارها أدوات في “خطة إلهية”. فقد حاول عدد من الدعاة الإنجيليين تصوير ترامب وكأنه قائد أُقيم في لحظة تاريخية استثنائية لحماية إسرائيل وتنفيذ ما يصفونه بترتيبات مرتبطة بنهاية التاريخ. هذه السرديات، التي يرى كثير من الباحثين أنها أقرب إلى أساطير دينية مؤدلجة، نجحت مع ذلك في التسلل إلى أروقة القرار عبر تحالف سياسي-ديني معقد يجمع بين اليمين الديني في الولايات المتحدة والمشروع الصهيوني.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الإيمان الشخصي أو حرية التعبير الديني. فحين تُقدَّم الحرب باعتبارها استجابة لإرادة إلهية، فإنها لا تعود قراراً سياسياً قابلاً للنقاش أو المراجعة، بل تتحول إلى قدر ينبغي تنفيذه. وفي تلك اللحظة يتغير معنى السياسة نفسها؛ إذ لم يعد الصراع صراع مصالح يمكن التفاوض حولها، بل مواجهة عقائدية يصعب التراجع عنها.
وقد حذرت دراسات عديدة في العلوم السياسية من هذا النوع من الخطاب الذي يمزج العقيدة بالسياسة العسكرية. فالحروب التي تُخاض بهذه اللغة غالباً ما تكون أكثر ضراوة وأطول عمراً، لأنها تُبنى على تصور أخلاقي حاد يقسم العالم إلى معسكرين: خير مطلق وشر مطلق. وعندما يصل الخطاب إلى هذه المرحلة، يتحول الخصم من دولة يمكن التفاوض معها إلى كيان شيطاني يجب القضاء عليه.
المفارقة أن هذا الاستخدام السياسي للدين لم يمر دون اعتراض داخل العالم المسيحي نفسه. فقد حذّر البابا فرانسيس من تحويل الإيمان إلى أداة للهيمنة السياسية أو لتبرير الحروب، مؤكداً أن المسيحية في جوهرها رسالة سلام وتحرير، لا مشروع سيطرة أو تدمير للحياة. وهو تحذير يكشف بوضوح حجم الانقسام داخل المؤسسات الدينية حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في السياسة.
إن المشهد الذي جرى في البيت الأبيض لا يمكن اختزاله في لحظة بروتوكولية عابرة. إنه مؤشر على تحول أعمق في الخطاب السياسي العالمي، حيث يجري إقناع الشعوب بأن الحروب قد تكون جزءاً من خطة إلهية، وأن القادة قد يظهرون في لحظات معينة بوصفهم أدوات لتنفيذ تلك الخطة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فعندما تتحول الحروب إلى رسائل سماوية، يصبح السلام نفسه موضع شك. وعندما يدخل الدين إلى ساحات الصراع بهذه الطريقة، يخرج منها غالباً مثقلاً بالدماء.
لذلك فإن التحدي الأكبر اليوم لا يقتصر على وقف الحروب المشتعلة، بل يتجاوز ذلك إلى حماية الدين نفسه من أن يتحول إلى لغة للمدافع… بدلاً من أن يبقى رساله للانسان والحياة