"أنا لست يحيى السنوار" لسماح خليفة .. أحداث حقيقية لبطلين من ورق
13-04-2026 11:11 AM
عمون - تعدّ رواية "أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة، شهادة إنسانية تتجاوز حدود السرد التقليدي؛ لتغوص في عمق التجربة الفلسطينية تحت وطأة الاحتلال، إنها ليست مجرد عمل أدبي، إنّما محاولة واعية لتفكيك بنية العنف، وكشف كيفية تحويل القمع الممنهج إلى مولّد للإرهاب، وكيف يُعاد إنتاج الخوف بوصفه أداة للسيطرة.
تحكي الرواية، التي بدأت أحداثها مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، السابع من أكتوبر 2023م، قصّة مدينتين فلسطينيتين مختلفتين لكن متكاملتين، مدينتان توأمان، تتشابهان رغم اختلافهما، وتدور أحداث الرواية الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) في 342 صفحة، حول "يحيى"، الصحفي الذي يعيش في مدينة "جِنين"، في حضن عائلة صغيرة جدًّا لا أب فيها. يحلم "يحيى" بمغادرة جنين من أجل الحفاظ على حياة من يحبّهم: والدته وأخوه وصديقه المتهوِّر، وقبل كلّ هؤلاء يريد إنقاذ "آية" والهروب بها من براثن العدو الذي لا يرحم!
بينما يبحث يحيى عن ذاته خارج أسوار الخطر، متبعًا أسلوب الحماية لكل من يحب، كان شديد التشابك مع صديقه نضال المعجب بيحيى السنوار، والذي استبدل كلمة "سنوار" بكلمة "بطل"، «والله إنّك سنوار!!»، تلك المزحة التي أودت بيحيى إلى الهاوية، وأودت بنضال نفسه إلى الموت في الوقت الذي كان يحيى يريد إخراجه من بؤرة الهلاك إلى جنة الحياة!
تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ ومن المسؤول عن ولادة هذا الكائن المشوَّه في نظر العالم؟ عبر شخصية "يحيى" يتجسد هذا التحول القاسي؛ إذ تُعاد هندسته بفعل القهر والتعذيب المستمر في السجن، حتى يغدو نتاجًا حيًا لواقع صاغه المحتل بيديه.
وعى الضفة الأخرى من الألم، تبرز شخصية "آية"، وهي ممرضة ترفض مغادرة القطاع رغم ما حلّ فيه من دمار وخراب بسبب العدوان، ورغم أن لا أحد يربطها بالمكان، فقد رحلوا جميعهم: العائلة، والقريب، والصديق، ورفقاء الطريق، ومراكز الإيواء. إذ تتشبث "آية" بآخر حبة رمل على ثرى غزة، بحثًا عن الموت الذي أخطأها مرارًا، فباتت تصارع حياتها حاملة في داخلها عقدة "ذنب الناجية الوحيد"، فهي لا تبحث عن النجاة بقدر ما تلاحق معنى وجودها في عالم أخطأها فيه الموت مرارًا، فتركتها الحياة وحيدة في مواجهة ذاتها. تلك العقدة أثقلت روحها، ودفعتها إلى صراع داخلي حاد بين الرحيل والبقاء، بين الرغبة في الانطفاء والاضطرار إلى الاستمرار. إنها لا تعيش الحياة بقدر ما تؤجل نهايتها، وكأنها عالقة في منطقة رمادية بين الموت والوجود.
وفي قلب هذا المشهد القاسي، تتقاطع حكايتا "يحيى" و"آية" لتشكّلا معًا معادلة الوجع الفلسطيني: من يُدفع إلى المقاومة تحت ضغط القهر، ومن يُترك وحيدًا ليقاوم الحياة نفسها. هنا، لا تُقدَّم المقاومة كخيار أيديولوجي بقدر ما هي استجابة وجودية، تحوّل الفرد من حالة السكون إلى الفعل، ومن الهامش إلى مركز الحكاية.
والمفارقة التي تطرحها أحداث الرواية، أنه في الوقت الذي كان كلّ شيء يدفع بآية إلى المغادرة، كان كلّ شيء يتمسك بيحيى من أجل البقاء.
كما تتناول الرواية لحظة التحول الكبرى، حيث تتقاطع الذوات الفردية مع الحدث الجمعي، فيما يشبه "الطوفان" الذي يعيد ترتيب الوعي، ويكشف هشاشة السرديات المفروضة. هذا الطوفان ليس مجرد حدث، إنما حالة نفسية وجمعية، تفتح الباب أمام أسئلة الهوية والانتماء، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وأرضه.
بلغة مكثفة ومشحونة بالدلالات، تنجح الرواية في بناء فضاء سردي يعكس تعقيد الواقع الفلسطيني، دون أن يفقد حساسيته الإنسانية. إنها دعوة للتأمل، ولإعادة النظر في المفاهيم الجاهزة، ومحاولة لفهم أعمق لما يحدث خلف العناوين العريضة.
هذه الرواية، في جوهرها، ليست فقط عن الفلسطيني، إنّما عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الوجود، وحين يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة.
نقرأ في الرواية على لسان "آية": "أتفقّد أعضائي في كلّ مرّة أنجو فيها، ياه، أنا في نعمة كبيرة، أعضائي في مكانها، جسمي مكتمل تمامًا، لا ينقصه يد، ولا ساق، ولا عين، ولا حتّى أصبع، (...) جسدي ما زال مستورًا، ولم يقع في قبضة منحرف صهيونيّ أو صهيونيّة ما، لتهدّدني باغتصابه، وتجريدي من ملابسي أمام نسائنا، ورجالنا المجرّدين قهرًا من ملابسهم، ومقيّدين لا حول لهم ولا قوة، كما حصل مع من لم يحالفهم الحظّ بالنّجاة من بطش أعداء الإنسانية!".
وجاء في كلمة الناشر على الغلاف الأخير: "رواية تختصر -دون اختزال- السردية الفلسطينية بشخصياتها وبتأملّاتها وبصورها التي تعكس الأمل والألم الفلسطينيَيْن، رواية مليئة بالمفارقات، يحيى الذي يريد أنْ يهرب بالحياة من أجل خير الجميع، يحيى الذي لم يكن مرّة سنوارا لكنّه بطل حقيقي، وآية الفتاة الناعمة التي جرتها الحرب وعلمتها كيف تكون مقاوِمة بألف رجل، آية التي تقرر -بعد طول رفض- أن تغادر غزة من أجل الحياة لغزة! فأن تحيا من أجل قضيتك خير من أن تموت".
ويتابع الناشر: "بتقنية أشبه بالسرد المتناوب، تطرح الروائية هاتين القصتين في شكل مونولوج حينًا، وفي شكل مراسلات حينًا آخر، وفي شكل سرد يوضح رؤى متعدِّدة منها الفلسفية والوجودية والبحث عن الله بالبحث عن الذات في رحلة الخراب تلك، وبين بداية كانت هي نهاية الرواية وبين نهاية قد تكون البداية، أحداث قصص حقيقية لبطلين من ورق!".
وتختتم الكاتبة روايتها بالنص التالي الذي يلخّص فكرتها: "ننتهي لنبدأ من جديد؛ فالنّهاية ليست إلّا شكلًا من أشكال البدايات، ليست سوى قوسٍ يكتمل؛ ليعيد رسم الدّائرة من نقطة أخرى، هي تُشبه الشّفق؛ لحظة التقاء الضّوء بالظّلام، والغياب بالولادة، حيث كلّ انطفاء يحمل في جوفه جمرة مستترة تنتظر نسمة واحدة؛ لتشتعل، فالزّمن نفسه لا يقطع طريقه في خطّ مستقيم، بل يلتفّ في دوائر، يعلّمنا أنّ كلّ فقدان هو استرداد في شكل آخر، وكلّ انكسار هو تشكيل جديد للرّوح، ونحن أشبه بأمواج تتكسّر على الشّاطئ، لكنّها تعود دومًا إلى البحر، تحمل معها ذاكرة الرّحلة، وأملًا لا يشيخ، فحين نصل إلى ما نتصوّره خاتمة، نكتشف أنّنا أمام بوابة أخرى، تُطلّ على أفق لم نره من قبل، ونمشي.. نمشي بالخُطا ذاتها التي تعلّمتْ من كلّ العثرات السّابقة، ولكن بقلب أوسع، وحكمة أعمق".
يُذكر أنّ سماح خليفة روائية وشاعرة وأكاديمية، حصلت على شهادة الماجستير في الأدب العربي (تخصص نقد ثقافي)، صدر لها "طوباسيوز/ يوميات طفلة الانتفاضة" (قصص، 2017)، "أبجديات أنثى حائرة" (شعر، 2017)، "نطفة سوداء في رحم أبيض" (رواية، 2019)، بالإضافة إلى ستة كتب نقدية في الأدب والسياسة (2020-2026)، من أبرزها: "صفقة القرن من البدايات إلى المآلات.. دراسة نقدية في ضوء الاستشراق". ولها العديد من المقالات والأبحاث المنشورة، وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات الأدبيشة.