"مذكرات الخريف" لـ صدّوق نور الدين .. نصوص تحاور الحاضر
15-04-2026 11:01 AM
عمون - يتضمن كتاب "مذكرات الخريف" للكاتب المغربي نور الدين صدوق نصوصاً تحاور الحاضر وتطرح أسئلة حول معنى الحياة والكتابة، محولاً تجربته الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة، تلامس القارئ وتدعوه إلى التأمل في ذاته ومسيرته، ومقدماً بذلك سيرة ذاتية حداثية تخرج من عباءة التسجيل للذكريات إلى فعل إبداعي يعيد صياغة الحياة بلغة الأدب.
ويقدّم الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) في 194 صفحة، سيرة ذاتية غير تقليدية، إذ لا يسعى إلى توثيق الحياة بشكل خطي أو سرد تفصيلي شامل، بل ينتقي لحظات ومقاطع من ذاكرة الكاتب، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع الهم الثقافي والفكري، في بناء نصي يقوم على الاسترجاع والتداعي الحر، ما يمنح العمل طابعاً أدبياً خالصاً، يجمع بين الاعتراف والتأمل.
وينطلق صدوق من ظرف إنساني دقيق، حيث ارتبطت فكرة الكتابة لديه بوضع صحي مفاجئ فرض عليه نوعاً من العزلة، وجعله يراقب العالم من بعيد، كما لو أنه ينظر إليه من نافذة مرتفعة دون أن يشارك في تفاصيله اليومية، وتحولت هذه العزلة إلى دافع إبداعي لإعادة تشكيل علاقة الكاتب بذاته وبالعالم من حوله، وهكذا، يرمز "الخريف" في عنوان الكتاب إلى مرحلة من النضج الإنساني والتأمل العميق، حيث تختلط الذاكرة بالحلم، والواقع بالخيال، في محاولة لفهم الذات واستعادة مسارها.
لا يقدّم نور الدين صدوق سرداً تقليدياً لحياته، بل يشتغل على "تفكيك" التجربة الشخصية وإعادة تركيبها عبر مقاطع متفرقة، تعكس بمجملها تحولات الذات عبر الزمن، مشيراً في نصه إلى أن هذه المذكرات "لم تأت لتكتب تفاصيل مشهد الحياة في صورته الكاملة الكبرى، وإنما لتختار مقاطع استذكرت زمنياً تباعاً".
وتكشف بنية هذا العمل السيري عن تداخل واضح بين العالم الواقعي والعالم المتخيل، حيث يفتح الكاتب الباب أمام الخيال ليعيد تشكيل التجربة، فيتحول النص إلى مساحة حرة للتعبير عن الإحساس الداخلي، أكثر من كونه توثيقاً للأحداث، وهو ما يمنح هذه السيرة طابعاً أدبياً ويجعلها مفتوحة على فضاء الكتابة الإبداعية.
يركز الكتاب بوضوح على البعد الثقافي والفكري في حياة الكاتب نور الدين، حيث تستعرض المذكرات بداياته في القراءة والكتابة، وعلاقته بالأدب المغربي والعربي، إضافة إلى حضوره في الندوات والملتقيات الثقافية، واحتكاكه بأسماء أدبية بارزة، وتكشف جانباً من تطور المشهد الثقافي في المغرب، وصعوبات النشر وضعف الترويج للكتاب المغربي في فترات سابقة، مقارنة بالنشر في مصر ولبنان على سبيل المثال، والكاتب بذلك يكشف عن جانب من التحديات التي واجهت الأدب المغربي في مسيرته نحو الانتشار.
ومن أبرز المحاور التي يلقي صدوق نور الدين الضوء عليها، علاقة الكاتب بالمقهى، حيث يصفه بأنه المكان الذي مارس فيه فعل الكتابة والقراءة، في غياب مكتب تقليدي داخل البيت، مؤكداً أن المقهى لم يكن مجرد فضاء اجتماعي، بل تحول إلى "مكتب" حقيقي، يحتضن تجربة الكتابة وسط الضجيج والحياة اليومية.
كما يتضمن الكتاب عدداً من المشاهد المرتبطة بالأسفار والرحلات، مثل مشاركته في مؤتمرات وندوات خارج المغرب، حيث يسرد مواقف إنسانية تعكس اختلاف الثقافات وتباين التجارب، ويظهر في هذه المقاطع حساً سردياً قريباً من أدب الرحلة، يعمل على إثراء النص ومنحه تنوعاً في الموضوعات، كذلك تحضر في الكتاب شخصيات متعددة من الوسط الثقافي والفني، يلتقي بها الكاتب في سياقات مختلفة، ويقدّم من خلالها شهادات إنسانية وأدبية تسهم في رسم صورة أوسع للمشهد الثقافي العربي.
تقوم هذه المذكرات على لغة أدبية ذات طابع تأملي، تتراوح بين السرد والوصف، وتستند إلى حس شعري واضح، يجعل النص قريباً من القارئ رغم عمقه الفكري، حيث يعتمد صدوق على أسلوب يزاوج بين البساطة والرمزية، ما يمنح العمل قدرة على مخاطبة القارئ العادي والمثقف في آن، إلى جانب ذلك يوظف الكاتب في نصه جملة من الاقتباسات والإشارات الأدبية، التي جاءت في سياق يعكس اطلاع الكاتب الواسع، ويعزز من البعد الثقافي للنص.