من الحرب إلى الحصار إلى التفاوض… لماذا أصبح التفاوض حتمية استراتيجية في صراع واشنطن وطهران؟
صالح الشرّاب العبادي
17-04-2026 12:44 PM
إسلام آباد / باكستان… بانتظار مؤتمر السلام
في مسارٍ متدرّج بدأ بالحرب ولم ينتهِ بعد، تتكشف طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه صراعاً لا يُحسم بالقوة، ولا يُكسر بالحصار، بل يُدار عبر مزيجٍ معقّد من الضغط والتفاوض. فالمواجهة العسكرية، رغم حدّتها، لم تُنتج نصراً حاسماً لأي طرف، والحصار الاقتصادي، رغم قسوته، لم يدفع طهران إلى الانهيار. وبين هذا وذاك، برز التفاوض كخيارٍ اضطراري، لا يعكس توافقاً بقدر ما يعكس عجزاً متبادلاً عن الاستمرار في التصعيد.
الحرب، في جوهرها، وصلت إلى سقفها دون أن تحسم المعادلة. فالولايات المتحدة استخدمت قوتها العسكرية والتكنولوجية، لكنها اصطدمت بواقعٍ جغرافي وسياسي معقّد، حيث لا يمكن تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة مستقرة. وفي المقابل، اعتمدت إيران على نمط الحرب غير المتكافئة، فامتصّت الضربات دون أن تنهار، ونجحت في إبقاء الصراع مفتوحاً دون خسارة وجودية. وكانت النتيجة “تعادلاً مكلفاً”، يدفع فيه الطرفان أثماناً متزايدة دون تحقيق أهداف نهائية.
ومع انتقال الصراع إلى مرحلة الحصار، بدا أن واشنطن تراهن على كسر الإرادة الإيرانية عبر الاقتصاد. وبالفعل، تركت العقوبات آثاراً عميقة على الاقتصاد الإيراني، خصوصاً في قطاع النفط وحركة الملاحة. تعطّلت سلاسل الإمداد، وارتفعت كلفة التصدير، وتعرّضت السفن لمخاطر متزايدة. لكن هذه الضغوط، رغم شدتها، لم تتحول إلى أداة حسم، بل دفعت إيران إلى التكيّف عبر قنوات بديلة، واتصالات غير معلنة، وتفاهمات جزئية سمحت لها بالاستمرار، إضافةً إلى إصرارٍ واضح على الصمود والصبر والتحدي.
وهنا يتبدّى التحول الأهم: لم يعد الضغط هدفاً بحد ذاته، بل أصبح أداة تفاوضية. تسعى واشنطن إلى استثمار “ذروة الضغط” لفرض شروط أفضل، فيما تحاول طهران تحويل قدرتها على الصمود إلى ورقة تفاوض تمنحها اعترافاً بدورها الإقليمي وتخفيفاً تدريجياً للعقوبات. وفي هذا السياق، تتزايد المؤشرات على وجود قنوات اتصال غير مباشرة، تمهّد لجولات تفاوض جديدة، ربما عبر وسطاء إقليميين، في مقدمتهم باكستان.
لكن التفاوض هنا لا يُستخدم فقط كأداة حل، بل كأداة ضغط أيضاً. فإيران، على سبيل المثال، توظف فكرة التفاوض لإرباك الإقليم، خصوصاً دول الخليج، التي تجد نفسها أمام سيناريو مزدوج: إما استمرار التصعيد بكل مخاطره، أو اتفاق أمريكي–إيراني قد يعيد دمج طهران في النظام الدولي ويمنحها قوة اقتصادية وسياسية أكبر. وفي الحالتين، تبقى دول الخليج أمام تحدّي إعادة صياغة توازناتها، في وقتٍ يُتوقع فيه أن تتحول إسلام آباد خلال الأيام القادمة إلى محطة مركزية لمسار التفاوض، مع احتمالات عقد مؤتمر سلام رفيع المستوى.
في هذا الإطار، تتحرك دول الخليج بحذرٍ استراتيجي، ساعيةً إلى منع الانفجار من جهة، وتجنّب اختلال ميزان القوى من جهة أخرى. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة التهديدات، بل في التعامل مع نتائج أي تسوية محتملة. وفي المقابل، تراقب إسرائيل المشهد بقلقٍ واضح، إذ ترى في أي اتفاق لا يقيّد إيران بشكل صارم تهديداً طويل الأمد، ما يُبقي احتمالات التعطيل أو إعادة التصعيد قائمة.
وفي سياق موازٍ، نجحت إسرائيل في قطع الطريق على ترابط الجبهات، خصوصاً عبر فصل المسار اللبناني عن الإطار الإيراني، من خلال الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع لبنان، أفضت إلى وقفٍ مؤقت لإطلاق النار لمدة عشرة أيام. وبهذا، بدت جبهة لبنان وكأنها منفصلة نسبياً عن القرار الإيراني، ما وضع حزب الله في حالةٍ معلّقة: فلا هو قادر على التصعيد منفرداً، ولا هو منسجم بالكامل مع مسار الدولة اللبنانية التي انخرطت في التفاوض.
إلى جانب البعد السياسي والعسكري، تبرز مخاطر أخرى أكثر عمقاً، تتعلق بالبيئة والأمن الحيوي للمنطقة. فأي استهداف لناقلة نفط أو منشأة طاقة في ممر حيوي مثل مضيق هرمز قد يؤدي إلى كارثة بيئية واسعة، حيث يتسبب تسرب النفط في تدمير الثروة السمكية، وتلويث المياه، وتهديد محطات التحلية التي تعتمد عليها دول الخليج بشكل أساسي. وفي هذه الحالة، لا يعود الصراع سياسياً فقط، بل يتحول إلى أزمة تمس الحياة اليومية لملايين البشر.
والأخطر من ذلك، أن أي استهداف لمنشآت نووية—مثل مفاعل بوشهر—قد يفتح الباب أمام كارثة إشعاعية عابرة للحدود، تمتد آثارها لعقود، وتضرب الأمن البيئي والغذائي والصحي في المنطقة بأكملها. هنا، يفقد الصراع كل حدود السيطرة، ويتحول إلى تهديد وجودي لا يمكن احتواؤه.
ورغم أن إيران تمتلك منافذ وطرقاً بديلة لتصدير النفط، فإن هذه الخيارات تبقى محدودة مقارنة بالأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز. فالمسارات البديلة تعاني من ارتفاع الكلفة، وطول المسافات، وتعقيدات سياسية تتعلق بموافقة الدول المجاورة، فضلاً عن كونها عرضة للاستهداف أو التعطيل في حال التصعيد. لذلك، يبقى المضيق الشريان الحيوي الذي لا يمكن تعويضه بسهولة، ما يزيد من حساسية أي مواجهة تدور في محيطه.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن التنافس الأوسع في الإقليم، حيث تتداخل مصالح قوى دولية مثل الصين وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها. هذا التداخل يجعل من أي اتفاق أمريكي–إيراني جزءاً من معادلة دولية أكبر، لا مجرد تسوية ثنائية.
في المحصلة، نحن أمام صراعٍ تجاوز مرحلة الحسم، ودخل مرحلة إدارة المخاطر. الحرب لم تُحسم، الحصار لم يُنهِ، والتفاوض لم ينضج بعد… لكنه أصبح المسار الوحيد الممكن. لذلك، فإن أي جولة تفاوض قادمة لن تكون لحظة اتفاق نهائي، بل خطوة في مسار طويل من “الاستقرار الهش”، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق الحد الأدنى من المكاسب دون الانزلاق إلى خسارة كبرى.
وفي مثل هذه الصراعات، لا يكون السؤال: من سينتصر؟
بل: من يستطيع تحمّل كلفة الاستمرار أكثر… ومن سيختار التوقف أولاً؟