facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المصرفية الإسلامية في الأردن .. من نجاح الانتشار إلى اختبار القيمة


د. محمد فخري صويلح
18-04-2026 11:56 PM

نجحت المصرفية الإسلامية في الأردن خلال العقدين الماضيين في ترسيخ حضورها كأحد المكونات الرئيسة في القطاع المصرفي الأردني، سواء من حيث الحصة السوقية أو تنوع المنتجات أو الانتشار الجغرافي،،، وتعزز هذا النجاح وفق مشاهداتي لأفضل الممارسات في التجربة المصرفية من خلال ثقة شريحة واسعة من المتعاملين وإلى جانب إطار رقابي مستقر يقوده البنك المركزي الأردني،،، إلا أن هذا النجاح الكمي يطرح اليوم سؤالاً أكثر عمقاً: إلى أي مدى استطاعت هذه التجربة أن تتحول من نموذج ملتزم بالامتثال الشرعي إلى نموذج منتج لقيمة اقتصادية حقيقية تنعكس على هيكل الاقتصاد الوطني الأردني؟ فالتحدي لم يعد في إثبات المشروعية أو توسيع الحصة السوقية، بل في قياس الأثر الفعلي لهذا النمو على الإنتاج والاستثمار وفرص العمل.

من الانتشار إلى التأثير
في مرحلتها الأولى والتي انطلقت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ركزت المصرفية الإسلامية الأردنية على إثبات الذات، وتأكيد شرعيتها، وبناء قاعدة عملاء مستقرة،،، أما اليوم، فقد انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يُقاس نجاحها بقدرتها على التأثير في هيكل الاقتصاد الحقيقي، والمساهمة في تمويل القطاعات الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل مستدامة.

وتشير الممارسات السائدة إلى أن هيمنة صيغ التمويل القائمة على المرابحة – والتي تشير التقديرات إلى أنها تمثل ما بين 70% إلى 80% من إجمالي التمويل الإسلامي في الأردن - قد حدّت من قدرة المصرفية الإسلامية على إحداث أثر تنموي عميق، إذ تحوّل جزء معتبر من النشاط التمويلي إلى نمط قريب من التمويل التقليدي من حيث النتائج الاقتصادية، وإن اختلفت الصيغة القانونية للتمويل،،، وبرغم أهمية هذه الأدوات في تحقيق الاستقرار والعوائد، إلا أن استمرار الاعتماد عليها بهذا الشكل يكرّس نموذجاً تمويلياً قصير الأجل يركز على الاستهلاك أكثر من تركيزه على الإنتاج والاستدامة،،، ومن واقع الخبرة العملية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأدوات بحد ذاتها، بل في ضعف التوجه المؤسسي نحو تبني صيغ تشاركية تعكس جوهر الاقتصاد الإسلامي القائم على تقاسم المخاطر وتعظيم القيمة، مما يجعل الأولوية اليوم تتركز في إعادة توجيه جزء ملموس من المحافظ التمويلية نحو صيغ تشاركية مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، وبما يعزز الأثر الاقتصادي ويخلق قيمة مستدامة.

فجوة القيمة الاقتصادية
تكمن الإشكالية هنا في وجود فجوة بين الامتثال الشرعي والقيمة الاقتصادية ،،، فبينما تلتزم البنوك الإسلامية في الأردن بمعايير الشريعة الإسلامية، وغالباً ما تسترشد بمعايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:هل نجحت هذه البنوك في تحويل هذا الالتزام إلى ميزة اقتصادية تنافسية حقيقية؟

والقيمة الاقتصادية في السياق المصرفي لا تُقاس فقط بحجم الأرباح، بل بمدى مساهمة البنك في تمويل الأنشطة الإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومدى مساهمتها في تشغيل الأيدي العاملة، والمشاركة في تطوير قطاعات استراتيجية مثل الصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا والطاقة والنقل،،، وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في توزيع المحافظ التمويلية، والانتقال التدريجي نحو صيغ أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي، مثل المشاركة والمضاربة والاستصناع، حتى لا تبقى كينونة التجربة مستندة إلى مشكلة متوارثة عنوانها محدودية أثرها الاقتصادي، في مقابل الالتزام بمشروعية الأدوات.

إشكالية نموذج الأعمال
ولعل أحد الأسباب الرئيسية لهذه الفجوة يعود إلى نموذج الأعمال السائد في العديد من البنوك الإسلامية، والذي يميل إلى تقليد النموذج التقليدي مع تكييف شرعي، بدلًا من تطوير نموذج أصيل يعكس فلسفة الاقتصاد الإسلامي القائمة على تقاسم المخاطر وتعظيم المنفعة.

هذا النموذج، رغم كفاءته التشغيلية، يحدّ من قدرة البنوك الإسلامية على الابتكار، ويجعلها عرضة للمقارنة المباشرة مع البنوك التقليدية، بدلاً من أن تكون بديلاً نوعياً مختلفاً،،، كما أنه يضعف من قدرتها على لعب دور ريادي في تمويل التنمية، وهو الدور الذي يفترض أن يشكل أحد أعمدة وجودها.

الفرصة الكامنة
على الرغم من هذه التحديات، فإن الفرصة لا تزال قائمة، بل ربما تكون أكبر من أي وقت مضى،،، فالأردن يمتلك بيئة اقتصادية بحاجة إلى أدوات تمويل مرنة ومبتكرة، قادرة على دعم المشاريع الإنتاجية، واستيعاب الطاقات الشبابية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.

هنا يمكن للمصرفية الإسلامية أن تلعب دوراً محورياً، من خلال:
• تطوير منتجات تمويلية قائمة على المشاركة في المخاطر.
• إطلاق منصات استثمارية موجهة لقطاعات محددة تلبي حاجة الدولة والمجتمع.
• بناء شراكات مع مؤسسات الوقف والزكاة لتعظيم الأثر الاجتماعي.
• تبني نماذج تمويل تجمع بين العائد المالي والأثر التنموي والعائد الاجتماعي للاستثمار.

كما يمكن الاستفادة من التجارب الدولية، ومن الإرشادات الصادرة عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB)، في تطوير أطر حوكمة وإدارة مخاطر تدعم هذا التحول.

دور صُنّاع القرار
الانتقال من الانتشار إلى تعظيم القيمة لا يمكن أن يتم من خلال البنوك وحدها، بل يتطلب تنسيقاً بين الجهات الرقابية، وصنّاع السياسات، والمؤسسات المالية. ويشمل ذلك:
• تطوير أطر تشريعية تحفز صيغ التمويل التشاركي، وتوفر أطر رقابة وحماية كافية لها.
• تقديم حوافز ضريبية للتمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية، والتي تعظم الاقتصاد الحقيقي
وتوفر فرص عمل كافية.
• دعم إنشاء صناديق استثمار إسلامية ذات بعد تنموي، إضافة إلى التوسع في إصدارات
الصكوك الإسلامية خدمة لعمليات وقطاعات الاقتصاد الحقيقي.
• تعزيز الشفافية والإفصاح حول الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتمويل الإسلامي.

نحو مرحلة جديدة
المصرفية الإسلامية في الأردن تقف اليوم عند مفترق طرق،،، فقد نجحت في تثبيت حضورها، لكنها مطالبة الآن بإعادة تعريف دورها والالتزامات التي ستترتب عليها في الحقبة المقبلة،، فلم يعد كافياً أن تكون متوافقة مع الشريعة الإسلامية، بل يجب أن تكون محرّكاً حقيقياً للقيمة الاقتصادية، وشريكاً فاعلاً في التنمية، ومنصة للابتكار المالي المسؤول.

إن المرحلة المقبلة تفرض على المصرفية الإسلامية في الأردن الانتقال من موقع البديل المتوافق إلى المحرك الاقتصادي الفاعل،،، وهذا التحول لا يتحقق عبر تطوير الأدوات فقط، بل من خلال إعادة تعريف الأولويات، وتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة، وربط الأداء المصرفي بمؤشرات الأثر الاقتصادي والاجتماعي،،، وفي تقديري، فإن التأخر في هذا التحول سيبقي المصرفية الإسلامية ضمن إطار التكيّف مع النظام القائم، بدلاً من أن تكون قوة مؤثرة في إعادة تشكيله، وهو ما يستدعي اليوم قرارات أكثر جرأة من المؤسسات المالية والجهات التنظيمية على حد سواء.

* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :