facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جوهر أزمة اتخاذ القرار في الأردن بين البشير وحمارنة


السفير د. موفق العجلوني
19-04-2026 10:02 AM

في قراءةٍ تتجاوز الحدث إلى ما وراءه، يقدّم المهندس عامر البشير طرحًا تأمليًا حول طبيعة العمل العام، وذلك على خلفية تعيين سعادة الدكتور مصطفى الحمارنة في موقع قيادي جديد. لا يتناول النص التعيين بوصفه محطةً إدارية عابرة، بل كمدخلٍ لطرح تساؤلات أعمق حول كيفية تشكّل سلوك المسؤول، وحدود العلاقة بين المعرفة والقرار، والدور الذي يلعبه الخوف أو الشجاعة في رسم ملامح الأداء المؤسسي. ومن خلال لغةٍ هادئة، يفتح المهندس البشير بابًا لنقاشٍ ضروري حول مسار الإدارة العامة، ليس في لحظة بعينها، بل في سياقٍ تراكمي يستحق المراجعة.

يشير المهندس البشير انه، في لحظةٍ إدارية لافتة، جاء تعيين عضو مجلس الأعيان سعادةً الدكتور مصطفى الحمارنة، رئيسًا تنفيذيًا لـ الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، ليُعيد إلى الواجهة نقاشًا أعمق من مجرد انتقال وظيفي، نقاشًا يتصل بجوهر الإدارة العامة، ومعايير الاختيار، وطبيعة القرار في مؤسسات الدولة. وهو النقاش الذي التقطه المهندس البشير نائب امين عمان و عضو مجلس النواب سابقاً في طرحٍ تحليلي يتسم بلغة هادئة، لكنه يحمل دلالات تتجاوز الحدث ذاته.

لا يقف هذا الطرح عند حدود التهنئة أو التقييم الشخصي، بل يذهب إلى مساءلة أكثر شمولًا: كيف تُبنى سيرة المسؤول؟ ومتى تتحول الخبرة من عنصر إضافة إلى عبء غير معلن؟ والأهم، كيف تتشكل علاقة المسؤول بالقرار عبر الزمن؟

تُظهر القراءة أن التحدي لا يكمن في نقص الكفاءات بقدر ما يتمثل في مسارٍ سلوكي قد يتكرر داخل المؤسسات. يبدأ هذا المسار بحذرٍ مشروع، حيث يميل المسؤول في بداياته إلى التريث والتعلم، وهو سلوك يعكس وعيًا بالنقص ورغبة في تجنب الخطأ. غير أن استمرار هذا الحذر دون تحوّلٍ إلى فعلٍ مبادر، قد يُفضي تدريجيًا إلى انسحابٍ غير معلن من جوهر المسؤولية.

ومع الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا، قد تتبدل المعادلة؛ إذ تظهر ثقة لا تستند دائمًا إلى معرفة كافية، فتتخذ القرارات دون مراجعة عميقة، وتغيب آليات التقييم الذاتي. هنا، لا يكون التحدي في وقوع الخطأ، بل في غياب إدراكه، وهو ما يُضعف فرص التعلم والتصويب.

غير أن المرحلة الأكثر حساسية تتمثل في تلك التي يتراجع فيها الفعل لصالح التردد. ففي هذه المرحلة، يدرك المسؤول حدود معرفته، لكنه يستجيب لذلك بالخوف بدل المبادرة. وهنا، لا تتجلى المشكلة في قرارات خاطئة، بل في غياب القرار ذاته. تتباطأ الإجراءات، وتتراكم الملفات، وتدخل المؤسسة في حالة من السكون الإداري الذي يصعب رصده بوضوح، لكنه ينعكس على الفاعلية العامة.

في هذا السياق، يبرز بُعدٌ مهم في الرسالة الموجهة إلى الإدارة العامة، يتمثل في ضرورة إعادة التوازن بين الحذر والشجاعة. فالإدارة الرشيدة لا تقوم على تجنب الخطأ فحسب، بل على القدرة على اتخاذ قرار مدروس في الوقت المناسب، وتحمل مسؤوليته ضمن أطر مؤسسية واضحة.

ولا تقتصر هذه الدلالات على القطاع العام وحده، بل تمتد لتشمل بيئة العمل في القطاع الخاص، حيث يمكن لثقافة الخوف أن تحدّ من الابتكار، وتُضعف روح المبادرة، وتُنتج أنماطًا إدارية تميل إلى المحافظة المفرطة على حساب التطور.

ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى التعيين الجديد ليس فقط كخطوة إدارية، بل كفرصة لاختبار مقاربة مختلفة في إدارة المؤسسات، مقاربة تُعلي من شأن المعرفة دون أن تُغفل أهمية الشجاعة، وتُرسّخ ثقافة التقييم المستمر بدل الاكتفاء بالإنجاز الشكلي.

وبالتالي، يطرح هذا النقاش تصورًا هادئًا لكنه عميق: إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات لا يتمثل في الوقوع في الخطأ، بل في التردد الذي يسبق القرار أو يمنعه. فالدول لا تُقاس فقط بسلامة قراراتها، بل بقدرتها على اتخاذها في الوقت المناسب، ضمن رؤية واضحة ومسؤولية متوازنة.

في المحصلة، لا يقدّم طرح المهندس عامر البشير إجاباتٍ جاهزة بقدر ما يضع إطارًا لفهمٍ أعمق لتحديات القرار في المؤسسات. فالقضية، كما يلمّح، لا تتعلق بغياب الكفاءة أو كثرة الأخطاء، بل بخطرٍ أكثر هدوءًا يتمثل في تراجع الجرأة على اتخاذ القرار. وبين الحذر المشروع والتردد المُعطّل، تبقى الحاجة قائمة لإعادة التوازن، بما يضمن إدارةً تستند إلى المعرفة، ولا تتردد في الفعل حين تقتضي المصلحة ذلك، في وقتٍ تتزايد فيه الحاجة إلى قرارات واضحة تُحافظ على فاعلية المؤسسات ومعناها.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :