من يملك القرار في إيران اليوم؟
د. عبدالحفيظ العجلوني
19-04-2026 12:21 PM
سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يفتح الباب أمام فهم واحد من أكثر الأنظمة السياسية تعقيدًا وتشابكًا في المنطقة.
من الناحية الدستورية، لا يزال موقع المرشد الأعلى هو مركز الثقل في بنية الحكم؛ فهو المرجعية العليا التي تُشرف على السلطات كافة، وتمتلك الكلمة الفصل في القضايا الكبرى، من الحرب والسلم إلى رسم ملامح السياسة الخارجية. وفي هذا الإطار، تبدو الحكومة، بما فيها مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية، جهة تنفيذية تدير شؤون الدولة ضمن حدود مرسومة سلفًا.
غير أن ما تشهده إيران في هذه المرحلة الحساسة يوحي بأن هذا الترتيب “النظري” لم يعد يعمل بالدرجة نفسها من الانضباط. فالتطورات الأخيرة، وتباين التصريحات، وتضارب القرارات بين المؤسسات المختلفة، كلها مؤشرات على أن مركز القرار لم يعد أحاديًا كما كان يُفترض، بل بات أقرب إلى حالة من التوزع بين أكثر من طرف مؤثر.
في قلب هذا المشهد، يمكن تمييز ثلاثة مراكز رئيسة يتوزع بينها مسار القرار.
أول هذه المراكز هو المؤسسة الدينية، ممثلة بالمرشد ومحيطه. هذه المؤسسة لا تزال تمتلك الشرعية الدستورية والرمزية، لكنها تبدو -في ضوء ما يجري- أقل قدرة على فرض إيقاع موحّد على بقية مؤسسات الدولة، خصوصًا في ظل ظروف إقليمية ضاغطة وتحديات داخلية متصاعدة، وفي ظل محدودية الظهور العلني للمرشد، وما يرافق ذلك من تكهنات متباينة.
أما المركز الثاني، فهو الحكومة، التي تمثل الواجهة السياسية والدبلوماسية لإيران. وقد حاولت في الآونة الأخيرة إرسال إشارات تهدئة، سياسيًا وميدانيًا. من ذلك رسالة الاعتذار لدول الخليج العربية، والتصريحات المتعلقة بفتح مضيق هرمز، غير أن هذه المحاولات غالبًا ما تصطدم بحدود النفوذ الفعلي، وتبدو أحيانًا وكأنها لا تعبّر عن إجماع داخل بنية القرار.
المركز الثالث، والأكثر حضورًا في المشهد الراهن، هو الحرس الثوري الإيراني، الذي بات لاعبًا محوريًا يتجاوز دوره التقليدي كقوة عسكرية، ليمتد إلى التأثير المباشر في القرارين الأمني والسياسي. فامتلاكه أدوات القوة الصلبة، إلى جانب نفوذه الاقتصادي، يمنحه قدرة واضحة على ترجيح كفة مواقف بعينها، بل وعلى تعطيل أو تعديل مسارات لا تنسجم مع رؤيته.
وقد انعكس هذا التداخل في مواقف متباينة برزت إلى العلن، حيث بدت بعض القرارات الدبلوماسية وكأنها تُواجَه بتحفظ أو رفض من أطراف أخرى داخل الدولة، الأمر الذي يعكس درجة من الازدواجية في صناعة القرار، ويطرح تساؤلات جدية حول من يملك الكلمة الأخيرة فعليًا.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري:
هل نحن أمام خلافات حقيقية داخل النظام، أم أن ما يجري ليس سوى توزيع أدوار مدروس بين تيارات تُصنّف عادة ضمن “الصقور” و“الحمائم”؟
الإجابة ليست قطعية، لكنها تميل –وفق المؤشرات الحالية– إلى أن ما يحدث يتجاوز مجرد تبادل أدوار تقليدي. فصحيح أن إيران عَرَفَت في مراحل سابقة هذا النمط من توزيع الأدوار، حيث يتقدّم “المعتدل” بخطاب تفاوضي فيما يمارس “المتشدد” دور الضغط، إلا أن ما نشهده اليوم يبدو أكثر تعقيدًا. فحجم التباين المعلن، وظهور الخلافات إلى العلن، وتعارض بعض المواقف بشكل مباشر، كلها عوامل توحي بأن المسألة قد ترتبط بخلل في التنسيق أو بتنافس حقيقي داخل مراكز النفوذ.
وعليه، فإن الإجابة الأكثر توازنًا على سؤال: من يملك القرار في إيران اليوم؟
هي أن القرار لم يعد حكرًا على جهة واحدة، بل هو نتاج توازن دقيق بين عدة أطراف، تتقدم بينها –على المستوى العملي– المؤسسة العسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، دون أن يعني ذلك غياب دور بقية المؤسسات أو تلاشيه.
في المحصلة، لا تبدو إيران اليوم أمام مجرد اختلاف في وجهات النظر، بقدر ما تقف عند لحظة إعادة تَشَكُّلٍ لمركز القرار ذاته. فالصورة التقليدية للنظام لا تزال قائمة في الشكل، لكن المضمون يشير إلى واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه السياسة مع الأمن، والدبلوماسية مع الميدان.
وهنا يكمن التحدي الأكبر:
ليس فقط في معرفة من يقرر اليوم في إيران، بل في تحديد من يملك القدرة على حسم القرار عندما تتعارض المسارات، وهو سؤال سيظل مفتوحًا ما دامت مراكز القوة تتحرك في اتجاهات غير متطابقة، وتأثيره لن يقتصر على إيران وحدها، بل على العالم أجمع.