facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تصنيف الأردن الائتماني: الحاجة إلى تحول نوعي في النهج الاقتصادي


د.عدلي قندح
19-04-2026 01:40 PM

في عالمٍ لم تعد فيه الأرقام مجرّد مؤشرات جامدة، بل رسائل سياسية واقتصادية تعكس موقع الدول في خريطة النفوذ والثقة العالمية، يكتسب التصنيف الائتماني أهمية تتجاوز كونه تقييماً فنياً إلى كونه مرآةً صادقة لمسار الاقتصاد وقدرته على الاستمرار والتكيّف والنمو.

وفي ظل تسارع التحولات الاقتصادية العالمية، باتت الحاجة ملحّة لاعتماد نماذج تحليلية أكثر ديناميكية لقراءة هذه التصنيفات، من خلال أدوات حديثة ومتقدمة قادرة على التقاط التداخل بين العوامل الاقتصادية والمالية والمؤسسية والزمنية. ومن بين هذه النماذج يبرز ما يمكن تسميته بـ “التحليل الديناميكي متعدد الأبعاد” (Dynamic Multi-Dimensional Analysis)، وهو إطار يجمع بين ثلاثة محاور رئيسية: الأداء الكلي، وجودة المؤسسات والسياسات، والقدرة المستقبلية على التحول. هذا النموذج لا يكتفي بوصف حالة الاقتصاد الآنية، بل يتجاوز ذلك ليطرح السؤال الأكثر عمقاً: إلى أين يتجه الاقتصاد؟ وهو ما ينسجم مع التحول في علم الاقتصاد من التحليل الساكن إلى التحليل الديناميكي الذي يركز على المسارات والاتجاهات.

وانطلاقاً من هذا الإطار، يمكن قراءة تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة الأردنية الهاشمية عند مستوى (Ba3/BB-) من قبل مؤسسات مثل Moody's قراءة أكثر عمقاً، تتجاوز ثنائية القوة والضعف، لتدخل في تحليل “مسار الاقتصاد”، حيث يصبح التصنيف تعبيراً عن توازن دقيق بين ما تحقق فعلاً وما هو ممكن مستقبلاً.

في محور الأداء الكلي، يُظهر الاقتصاد الأردني قدرة واضحة على الحفاظ على الاستقرار، حيث يتراوح النمو بين 2.7% و3%، مع تضخم منخفض (أقل من 2% سنويًا) واحتياطيات أجنبية مريحة جدًا (تجاوزت 28 مليار دولار لتغطي أكثر من عشرة أشهر مستوردات، مقارنة مع معيار عالمي يتطلب تغطية ثلاثة أشهر فقط). هذا الواقع يستحضر مقولة جون ماينارد كينز John Maynard Keynes الشهيرة: “الاستقرار هو شرط ضروري للنمو، لكنه ليس كافياً لتحقيقه”. هذه المقولة، عند التعمق فيها، تعكس جوهر الإشكالية الاقتصادية في الأردن؛ فكينز، الذي أسس لنظرية الطلب الكلي، كان يرى أن الاستقرار في حد ذاته لا يخلق نمواً، بل يهيئ البيئة فقط. النمو الحقيقي يحتاج إلى طلب فعّال، واستثمار نشط، وسياسات تحفيزية تدفع الاقتصاد إلى خارج حالة التوازن الساكن. وفي الحالة الأردنية، يمكن القول إن الاقتصاد نجح في تحقيق “الاستقرار الكينزي”، لكنه لم ينتقل بعد إلى “الديناميكية الكينزية” التي تقوم على توسيع النشاط الاقتصادي عبر الاستثمار والطلب، ما يجعله يتحرك ضمن نطاق آمن، لكنه محدود. النمو الذي شهدناه في الاستثمارالاجنبي خلال عام 2025 مؤشر إيجابي لم ينعكس بشكل واضح على معدلات النمو الاقتصادي ليدفعها خارج معدلاتها طوال العقد ونصف العقد الماضيين (2.3% تقريبًا).

أمأ ما شهدناه من نشاط وتوقيع لاتفاقيات استثمار في قطاع النقل يدعو للتفاؤل، لكن بحذر، لاننا شهدنا مثل هكذا اخبار في السنوات والعقود الماضية، من قِبل حكومات متعددة سابقة، لم ترى النور والتنفيذ لمعظمها على أرض الواقع.

أما في محور جودة المؤسسات والسياسات، فإن الثقة التي تعكسها تقارير التصنيف بالمؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها البنك المركزي الأردني، تعكس قوة صامتة في بنية الاقتصاد. وهنا تبرز أهمية نظرية المؤسسات كما صاغها دوغلاس نورث Douglass North، الذي اعتبر أن “المؤسسات ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل هي القواعد التي تشكل الحوافز الاقتصادية وتحدد سلوك الأفراد”. وعند إسقاط هذه الفكرة على الأردن، نجد أن استقرار السياسات النقدية، واستمرارية البرامج الإصلاحية، والانضباط المالي، كلها تعكس وجود “مؤسسات فاعلة” نجحت في تقليل حالة عدم اليقين، وهو العامل الأكثر حساسية في قرارات الاستثمار. غير أن تحليل نورث يقودنا أيضاً إلى بعد أعمق، وهو أن المؤسسات لا يجب أن تكتفي بالحفاظ على التوازن، بل عليها أن تخلق حوافز للتغيير والابتكار، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل جوهري نضعه أمام الجميع: هل المؤسسات في الأردن تُدير الاستقرار فقط، أم أنها تقود التحول؟ ولا نكتفي بطرح التساؤل بل نطالب بتوفير إجابات مقنعة للقارئ الحائر.

وفي محور القدرة على التحول، تتجلى الفجوة بين الإمكانات والنتائج، حيث يمتلك الأردن عناصر مهمة مثل الموقع الجغرافي، ورأس المال البشري، والقطاعات الواعدة، لكنه لم يحول هذه الإمكانات إلى قفزة نوعية في النمو، وهذا يعيدنا للتساؤل السابق الذي ننتظر اجابته بجدية تامة!!

وهنا تحضر بقوة نظرية “التدمير الخلّاق” التي طرحها جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter، والتي تقوم على فكرة أن التطور الاقتصادي لا يحدث عبر التحسين التدريجي، بل عبر إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد من خلال الابتكار. شومبيتر يرى أن الاقتصادات التي تكتفي بالحفاظ على وضعها الحالي تدخل في حالة ركود نسبي، بينما تلك التي تسمح بولادة قطاعات جديدة حتى لو على حساب القديمة، هي التي تحقق القفزات. وعليه، فإن التحدي في الأردن لا يكمن في تحسين ما هو قائم فقط، بل في خلق نموذج اقتصادي جديد يعيد توزيع الأدوار بين القطاعات، ويعزز الإنتاجية، ويدفع نحو اقتصاد أكثر ابتكاراً.

وعند الانتقال إلى قراءة الفرص، فإن تصنيف (Ba3) يفتح نافذة استثمارية فريدة، حيث يجمع بين الاستقرار النسبي والعوائد المرتفعة، وهو ما يتقاطع مع نظرية المحفظة الحديثة لـ هاري ماركويتز Harry Markowitz، التي تؤكد أن المستثمر لا يبحث عن الأمان المطلق، بل عن التوازن الأمثل بين المخاطرة والعائد. وعند تعميق هذه الفكرة، نجد أن الأردن يقع في منطقة “المخاطرة المحسوبة”، وهي المنطقة التي تجذب المستثمرين الباحثين عن فرص ذات عوائد أعلى، خاصة في الأسواق الناشئة. غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب إدارة ذكية لتدفقات الاستثمار، بحيث يتم توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة، وليس فقط نحو القطاعات التقليدية.

أما في جانب المخاطر، فإن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأردني لا تتمثل في الأزمات الحادة، بل في ما يمكن وصفه بـ “المخاطر الهيكلية الصامتة”، مثل استمرار عجز الحساب الجاري، وبطء خلق فرص العمل، والاعتماد النسبي على التمويل الخارجي. وهنا تبرز أطروحات داني رودريك Dani Rodrik، الذي يشير إلى أن المشكلة في الاقتصادات النامية ليست في ندرة الموارد، بل في ضعف القدرة على إعادة تخصيصها بكفاءة. وعند تحليل هذه الفكرة، يتضح أن الأردن لا يعاني من نقص في الإمكانات، بل من تحدي في تحويلها إلى محركات نمو فعالة، وهو ما يجعل الخطر الحقيقي ليس في الصدمات الخارجية، بل في استمرار الأداء ضمن نفس النمط دون تغيير جوهري. وهنا يبرز التساؤل، لماذا؟! وهنا يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت محدودية تجديد القيادات واستمرار تداول نفس الأسماء في إدارة المؤسسات والدوائر والوزارات عبر سنوات طويلة، قد أسهمت بشكل أو بآخر في إبطاء القدرة على اختراق حاجز النمو.

وفي ضوء هذا التحليل، يصبح الانتقال إلى مستوى أعلى من التصنيف الائتماني مرتبطاً بإحداث تحول نوعي في النهج الاقتصادي، يقوم على الانتقال من الإدارة اليومية للاقتصاد الى إحداث تحول جذري بالطريقة التي تفكر وتعمل بها الدولة اقتصاديًا. وهذا يتطلب أولاً تسريع النمو عبر الاستثمار المنتج المرتبط بسلاسل القيمة، وثانياً إعادة توجيه المالية العامة نحو الإنفاق الاستثماري، وثالثاً بناء بيئة استثمارية تنافسية قائمة على الثقة المؤسسية.

عزيزي القارئ، إن تصنيف الأردن عند (Ba3/BB-) لا يعكس اقتصاداً ضعيفاً، بل اقتصاداً متماسكاً استطاع أن يرسخ الاستقرار في بيئة معقدة، لكنه لم يحقق بعد القفزة النوعية نحو النمو المرتفع المستدام. وبين هذين المستويين، لا يقف الأردن في منطقة رمادية بقدر ما يقف على عتبة قرار اقتصادي تاريخي: إما الاستمرار في إدارة التوازنات الحالية، أو الانتقال الجريء نحو إعادة صياغة النموذج الاقتصادي برمّته.

فالتحدي اليوم لم يعد في القدرة على الصمود، فقد أثبت الاقتصاد الأردني قدرته على ذلك مراراً، بل في القدرة على الانطلاق، وعلى تحويل الاستقرار من غاية بحد ذاته إلى وسيلة، ومن حالة دفاعية إلى منصة هجومية تنموية. وهنا تحديداً، تُقاس كفاءة السياسات، وتُختبر جرأة القرار، ويُصاغ مستقبل الاقتصاد، لا بما نملكه من إمكانات فقط، بل بما نمتلكه من إرادة لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع اقتصادي جديد أكثر إنتاجية، وأكثر عدالة، وأكثر استدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :