أعان الله مصطفى الحمارنة .. نحو إصلاح إداري يعزز الثقة ويصنع الفرص
السفير د. موفق العجلوني
20-04-2026 08:55 AM
من منطلق معلوماتي المتواضعة في الإدارة العامة حيث امضيت ثلاث سنوات للحصول على درجة الماجستير من جامعة كانبرا للدراسات العليا في استراليا حيث كنت ت نائب السفير في السفارة الأردنية في كانبرا ومسؤول الشؤون القنصلية منذ عام ١٩٨٣-١٩٨٨، استوقفني عين سعادة العين الدكتور مصطفى الحمارنة رئيساً للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية. وكنت في قمة الفرح ان احصل على درجة الماجستير الى جانب عملي الدبلوماسي وكنت في حينه بدوجة ملحق دبلوماسي. وكون رسالتي كانت بعنوان " الإدارة اللامركزية في المملكة الأردنية الهاشمية:
Decentralization of Administration in the Hashemite kingdom of Jordan
قمت بأرسال نسخ من الرسالة الى كافة الجهات المعنية وعلى راسها وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ووزارة البلديات والمكتبات العامة في المملكة. وأعتقت انه سوف يتم تطبيق اللامركزية في الأردن في عام ١٩٨٩-٢٠٠٠. وهنا اترك لأصحاب القرار اين نحن من تطبيق اللامركزية منذ عام ١٩٩٠ – ٢٠٢٦ ...!!! ٢٦ عاما مضت و نحن كما يقول المثل " تيتي تيتي مثل ما رحت مثل ما اجييتي " ...!!!
في قلب كل دولة تنبض الإدارة العامة كعصب حيوي يحدد قدرتها على النمو، والتطور، وتحقيق العدالة الاجتماعية. إن الإدارة، كما درسناها في الجامعات وتعلمناها، ومن خلال الممارسات في الوظيفة الحكومية والقطاع الخاص، ليست مجرد إدارة وظائف أو إجراءات بيروقراطية؛ بل هي فن تحويل الأفكار إلى واقع، ووسيلة لتحقيق رؤية الأمة في تطوير مؤسساتها وتعزيز رفاهية شعوبها. وفي الوقت الذي يواجه فيه الأردن العديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها البطالة والفقر، تتزايد أهمية القدرة على إدارة هذه الأزمات بطريقة فعّالة وشفافة. من هنا، يظهر دور الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية بوصفها المُلهم الرئيسي لتغيير هذا المشهد، من خلال قيادة جديدة قادرة على اتخاذ قرارات جريئة وتقديم حلول مستدامة.
في هذا الإطار، جاء قرار تعيين سعادة الدكتور مصطفى الحمارنة رئيسًا للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية في خطوة تاريخية يمكن أن تشكل نقطة تحول هامة في مسار الإصلاح الإداري في المملكة. هذا التعيين ليس مجرد تغيير إداري، بل هو تعبير عن إرادة الدولة لتطوير جهازها الإداري بما يتماشى مع تطلعات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ويواكب التحديات الحالية. الدكتور الحمارنة، الذي يمتلك خبرة كبيرة ورؤية استراتيجية، يقع على عاتقه دور بالغ الأهمية في تحفيز الفكر الإداري وتحقيق التغيير المنشود في مؤسسات القطاع العام.
في لحظة تاريخية تحمل في طياتها الكثير من التحديات، جاء تعيين الدكتور الحمارنة رئيسًا للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، ليشكل نقطة فارقة في مسار الإصلاح الإداري في الأردن. القرار، الذي اتخذته الحكومة برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان، يمثل تحولًا مهمًا نحو بناء جهاز حكومي أكثر كفاءة وشفافية، قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر ومتغيرات الاقتصاد المحلي والدولي. وبينما تواجه الدولة العديد من القضايا الملحة، من بينها البطالة والفقر، يتعين على الأكاديمية تحت قيادة الدكتور الحمارنة أن تكون المحرك الرئيس لإيجاد حلول مستدامة، من خلال تطوير إدارة حكومية قادرة على تلبية احتياجات المجتمع، وتعزيز الثقة في المؤسسات الحكومية.
في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن إدارة الوظائف العامة في الأردن تحتاج إلى تحول جذري. فنحن نعيش في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومة لتوفير فرص العمل، بينما يظل القطاع العام مصدراً رئيسياً للتوظيف رغم محدودية الفرص فيه. هذا الوضع يفرض ضرورة ربط الأكاديمية بمسارات تطوير حقيقية تشجع على الابتكار وتفتح أبواباً جديدة للتوظيف المستدام، خاصة في القطاعات الاقتصادية التي يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة.
إحدى القضايا الجوهرية التي تواجه الإدارات العامة في الأردن هي قضية البطالة، التي تمثل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث يعاني آلاف الشباب الأردنيين من صعوبة في دخول سوق العمل بسبب نقص الفرص والتدريب المتخصص. وفي هذا السياق، يمكن للأكاديمية أن تلعب دورًا محوريًا ليس فقط في تدريب الموظفين الحكوميين الحاليين، بل أيضًا في إعداد جيل جديد من القيادات التي تتمتع بالكفاءة اللازمة لمواجهة التحديات الكبرى. هذا يتطلب إدخال برامج تدريبية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالاحتياجات الفعلية للسوق المحلي والعالمي، وبالتالي تتجه الأكاديمية إلى تعزيز مفهوم الإدارة الحديثة التي لا تقتصر على الأطر البيروقراطية التقليدية، بل تعزز من فكر "الإدارة بالنتائج" و"إدارة الفرص" بدلاً من الوظائف الثابتة.
إضافة إلى ذلك، يمكن للأكاديمية أن تسهم في إعادة بناء الثقة بين الحكومة والمواطنين من خلال اعتماد سياسات تعيين تعتمد على الكفاءة والمهنية، وليس على المحاصصة أو الوساطة. لطالما كانت قضية التعيينات في القطاع العام مصدرًا للجدل في الأردن، حيث يتهم الكثيرون بأن الوظائف الحكومية تُمنح بناءً على اعتبارات سياسية أو اجتماعية، وليس على أساس المهارات والكفاءات. وفي هذا الصدد، يعد التعيين في الأكاديمية فرصة فريدة لإعادة تقييم كيفية اختيار وتعيين الموظفين في القطاع العام وفقًا لمعايير شفافة ومستندة إلى الأداء الفعلي. يتعين على الأكاديمية أن تلعب دورًا استشاريًا في تطوير معايير موحدة لاختيار الموظفين وفقًا لاحتياجات الحكومة الفعلية، مما يعزز من ثقافة الجدارة والكفاءة في المؤسسات العامة.
ولعل إحدى أهم القضايا التي تؤثر على تطوير الإدارة العامة في الأردن هي الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فالقطاع الخاص أصبح لاعبًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية، ولا يمكن أن يتم إصلاح القطاع العام دون أن يكون هناك تعاون حقيقي بينه وبين القطاع الخاص.
ويمكن أن تساهم الأكاديمية خلال برامجها التدريبية وورش العمل التي ستقوم بتنظيمها، في تحسين العلاقة بين القطاعين. فهي قادرة على تطوير مهارات قيادية مهنية ليس فقط للموظفين الحكوميين، ولكن أيضًا لتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، مما يسهم في استيعاب المزيد من الشباب في سوق العمل من خلال برامج التدريب المشترك.
وفي ضوء ذلك، ينبغي أن تركز الأكاديمية في المرحلة القادمة على تصميم برامج تدريبية ومناهج تعليمية تشجع على التعاون بين القطاع العام والخاص، وتحفز على التفكير الابتكاري في إدارة الموارد البشرية. سيكون من المفيد للغاية لو تم دمج مفاهيم مثل "الإدارة من خلال الابتكار" و"القيادة المبنية على الشراكة" ضمن المناهج الدراسية في الجامعات والمعاهد ، حيث أن هذه المفاهيم تُعد ضرورية لضمان استدامة التنمية وتحقيق أهداف الدولة في القضاء على البطالة وتحفيز الاقتصاد الوطني.
يمثل تعيين الدكتور مصطفى الحمارنة على رأس الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية خطوة مهمة، ولكنه أيضًا يضع أمامه تحديات كبيرة. أهم هذه التحديات هو تعزيز الشفافية والمساءلة داخل الجهاز الحكومي. فوجود شخص على رأس الأكاديمية يتسم بالكفاءة والقدرة على التفكير الاستراتيجي والتوجه نحو الإصلاح ليس كافيًا دون بيئة داعمة وحكومة تتبنى سياسات الإصلاح بشكل جاد. وعلى الرغم من وجود إرادة سياسية للإصلاح، يبقى نجاح الأكاديمية مرهونًا بقدرتها على التفاعل مع المؤسسات الحكومية الأخرى، وضمان أن المخرجات التدريبية تنعكس بشكل إيجابي على الأداء الحكومي.
وفي هذا السياق، يجب أن تشهد الفترة المقبلة تغييرات جذرية في إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، بما يشمل وضع ميثاق أخلاقي للتعامل مع الموظفين الحكوميين، يعزز من ثقافة العمل الجماعي، ويؤسس لمنظومة من القيم الإدارية التي تقوم على النزاهة والشفافية والمساءلة. ويجب أن تكون الأكاديمية هي المعنية بتقديم التدريب المستمر للمسؤولين الحكوميين على هذه القيم، وتثقيفهم حول أهمية التحلي بالمسؤولية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياة المواطنين.
ما يجعل هذا التحول ممكنًا هو أن التعيين في الأكاديمية جاء في لحظة دقيقة ومهمة في تاريخ الأردن، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية مع الحاجة إلى تجديد المؤسسات وتطويرها. إن الأكاديمية ليست مجرد مؤسسة تدريبية، بل هي منصة لتطوير الفكر الإداري، ويمكن أن تتحول إلى مركز إشعاع علمي يساهم في إعداد الجيل الجديد من القيادات القادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها الأردن اليوم.
إن التفاؤل الذي ينبثق من تعيين الدكتور مصطفى الحمارنة ليس تفاؤلًا معتمدًا على الأمنيات، بل على إرادة حقيقية للتغيير، ودعم حكومي قوي، وإصرار على خلق بيئة إدارية تنافسية وشفافة. في النهاية، "أعان الله الدكتور مصطفى الحمارنة"، لأن نجاحه سيكون نجاحًا للجميع، وتغييرًا حقيقيًا في كيفية إدارة الحكومة الأردنية، بما يعزز الثقة في المؤسسات الحكومية، ويخلق فرصًا حقيقية لأبناء هذا الوطن العزيز.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
[email protected]