حين تُحسن الدولة اختيار كوادرها
فيصل تايه
20-04-2026 09:09 AM
أحسن دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الاختيار، فأصاب جوهر المرحلة باختياره الدكتور مصطفى الحمارنة لرئاسة الأكاديمية الحكومية الإدارية ، إذ إن المرحلة لا تحتاج إلى أسماء جديدة بقدر ما تحتاج إلى عقول مجرّبة ، قادرة على تحويل التدريب إلى أثر، والإدارة إلى إنجاز، والرؤية إلى واقع ، في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى إدارة حديثة وكفاءة حقيقية ، فالمناصب الحساسة لا تحتمل التجريب، بل تحتاج إلى خبرة متراكمة، ورؤية ناضجة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص ، وهذا ما يجعلنا نقف بثقة أمام هذا القرار، وننظر إليه كخطوة متقدمة في مسار التحديث الإداري نحو تكريس مفهوم "الحوكمة الرشيقة" التي تنشدها مؤسساتنا الوطنية .
اننا ونحن ماضون في لحظات التحول الوطني الكبرى، لا بد ان تكون قرارات التعيينات الإدارية إشارات عميقة على وعي الدولة بمسارها، وقدرتها على قراءة المستقبل بثقة ومسؤولية، فعندما تختار القيادة شخصية بحجم الدكتور الحمارنة لتتولى رئاسة الأكاديمية الحكومية الإدارية، فإنها لا تختار فرداً بقدر ما تختار نهجاً، ورؤية، ورسالة ، رسالة مفادها أن الاستثمار في الرأسمال البشري هو الأولوية القصوى لردم الفجوة الإدارية وتطوير الأداء العام.
هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج إدراك بأن المرحلة المقبلة تتطلب عقولا قادرة على البناء، لا مجرد الإدارة؛ قيادات تؤمن بأن الإصلاح ليس شعاراً، بل ممارسة يومية، وأن تطوير القطاع العام يبدأ من الإنسان قبل النظام ، فالدكتور الحمارنة ليس مجرد اسم في سجل التعيينات، بل هو مسار طويل من العمل العام والفكر المؤسسي ، فهو أكاديمي عميق الجذور، درس الاقتصاد والتاريخ في جامعات دولية مرموقة، وعاد ليكون جزءاً من بناء العقل الإداري الوطني، أستاذاً وباحثاً وصانعاً للرأي العام.
وعلى امتداد سنوات طويلة، كان حاضراً في قلب القرار الوطني ، مديراً لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، حيث أسهم في تطوير أدوات قراءة الرأي العام، ثم مستشاراً في الديوان الملكي، ففاعلاً في العمل النيابي ، وصولاً إلى رئاسته للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن يكون عَيناً في مجلس الأعيان ، حيث اشتبك مع قضايا الدولة الاقتصادية والاجتماعية بعمق ومسؤولية، فهذه المسيرة ليست مجرد تنقل بين مواقع، بل تراكم خبرة في فهم الدولة، ومؤسساتها، وتحدياتها؛ وهو ما يجعل من قيادته للأكاديمية الحكومية الإدارية اختياراً يستند إلى المعرفة لا المجاملة، وإلى التجربة لا الافتراض.
الأكاديمية الحكومية مشروع وطني ، ولا يكتمل هذا المشروع دون فريق إداري كفؤ، وهو ما يتعزز بتعيين عطوفة المهندسة سهام الخوالدة أميناً عاماً للأكاديمية، في خطوة تعكس حرصاً على بناء منظومة متكاملة تجمع بين القيادة والخبرة التنفيذية ، بما يسهم في إعادة تشكيل العقل الإداري للدولة، ويجعل منها مصنعاً للقيادات القادمة، وحاضنةً للفكر الإداري الحديث، والمنصة التي سيُبنى عليها مستقبل الأداء الحكومي.
ومن هنا، فإن من يقودها يجب أن يكون على مستوى هذا الطموح، وأن يحمل في داخله إيماناً عميقاً بالدولة ورسالتها، فمع قيادة تمتلك هذا العمق، فإننا لا نبالغ إن قلنا إننا أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف الأداء الحكومي ، وتلبية تطلعات الموظف العام في إيجاد بيئة احترافية تُقدّر الإبداع وتكافئ التميز.
نحن لا نحتفي بشخص بقدر ما نحتفي بفكرة ؛ ومعنى أن تكون الدولة قادرة على أن تختار، وأن تصيب، وأن تمضي بثقة نحو المستقبل، وهذا القرار يعيد ترسيخ الثقة بأن المؤسسات لا تزال تُبنى على الكفاءة، وأنها توضع في مكانها الصحيح، وأن الرهان على الإنسان الأردني ما زال هو الرهان الرابح ، شريطة توفير الأدوات والبيئة التشريعية والمؤسسية التي تمكن هذه الكفاءات من ترجمة رؤاها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع .
اليوم، ونحن نتابع هذا التعيين، نشعر بشيء من الفخر المشروع؛ فحين تُحسن الدولة الاختيار، فإنها تمنح أبناءها سبباً إضافياً للإيمان بها، والانتماء إليها، والعمل من أجلها.
الله الموفق