الأمن المائي .. ومعهد السياسة والمجتمع في الاردن
المهندس ابراهيم حياصات
20-04-2026 05:46 PM
عند الحديث عن الامن المائي في الاردن، لا بد من التذكير بأن الأردن يصنف من ضمن أفقر دول العالم مائيًا حيث تقل حصة الفرد السنوية من المياه، والمقدرة بحوالي 61 متر مكعب/العام، بشكل كبير عن خط الفقر المائي العالمي المطلق ، والبالغ حوالي 500 متر مكعب.
ولا بد ايضاً من التذكير بأن قطاع المياه يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية المتراكمة ما يخلق فجوة بين العرض والطلب تزداد يوماً بعد يوم وتتعزز بنسب فاقد مرتفعة في شبكات المياه، سواء لأسباب فنية مثل التسرب، أو إدارية مثل الاعتداءات وضعف التحصيل، كما أن مصادر المياه التقليدية باتت محدودة ومتناقصة، في ظل الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية والتغيرات المناخية، وأعباء اللجوء الذي ادى الى النمو السكاني المتسارع وما تبعه من التوسع العمراني العشوائي. إضافة الى ان مصادر المياه المشتركة العابرة للحدود عُرضة لخطر تأثرها بالاحداث الجيوسياسية العاصفة في المنطقة.
وفي محاولة للبحث في هذه التحديات، صدرت حديثاً دراسة عن معهد السياسة والمجتمع في الاردن (اذار 2026)، بعنوان "الأمن المائي في الأردن: الأسباب، القيود، والمسارات السياساتية" خلُصت الى أن أزمة المياه في المملكة لم تعد مجرد مسألة طبيعية مرتبطة بندرة الموارد أو الضغوط المناخية، بل تحولت إلى قضية سياسية وسيادية تمسّ الاستقرار الوطني على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وبينت الدراسة ان أبرز ملامح ازمة المياه في الاردن تتلخص في: انخفاض حصة الفرد من المياه، خلل في إدارة الموارد (ضعف كفاءة السدود، ارتفاع نسب الفاقد في الشبكات، تفاوت التوزيع بين المحافظات، وغياب الردع الفعّال للاستخدام غير المشروع)، هيمنة القطاع الزراعي (يستحوذ على الحصة الأكبر من المياه رغم مساهمته المحدودة في الناتج المحلي (6-7%)، ما يثير جدلًا حول أولويات التخصيص وكفاءة العائد الاقتصادي) واعتماد خارجي مرتفع ( نحو 26% من الموارد المائية مشتركة مع دول الجوار، ما يجعل الأمن المائي الأردني رهينة للتقلبات الجيوسياسية وعدم الالتزام بالاتفاقيات).
وتخلُص الدراسة ايضاً الى أن الأزمة ليست بيئية فقط، بل مرتبطة بـ تأجيل القرار السيادي وضعف القدرة التفاوضية. فإدارة ملف المياه غالبًا ما تُختزل في الجانب التقني، ما يضعف قدرة الأردن على فرض شروط عادلة أو تحويل الأزمات إلى فرص تمويلية. كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي يقيّد استقلالية القرار الوطني ويزيد من التبعية للمؤسسات الدولية.
ومع تقديري للجهد المبذول في اعداد الدراسة، وبالرغم من التحفظ على بعض ما ورد فيها، الاّ انني ارغب في تسليط الضوء على بعض النقاط المهمة:
اولها: اننا نُجمع في الاردن بان اسباب ازمة المياه في معظمها تتعلق بالعوامل البيئية والتغير المناخي وشح المصادر والتزايد السكاني وضعف ادارة الطلب مما يتطلب العمل على تطوير الادوات والمفاهيم التقليدية لإدارة القطاع ويحتّم اعادة هيكلته بما يتلائم مع ظروف المرحلة والتي ارى انها تستوجب بشكل اساسي الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص وتعزيز دوره في إدارة قطاع المياه من خلال بناء علاقات تعاقدية متينة بإهداف واضحة ونماذج مالية متوازنة ضمن هذه الشراكة، بحيث تحفظ حقوق ومصالح جميع الاطراف، بما فيها المستفيدون من الخدمات، وتعزز الاستفادة من التجارب العالمية في الادارة والتكنولوجيا.
ثانيها: أن أزمة المياه في المملكة لم تعد مجرد مسألة مرتبطة بندرة الموارد أو الضغوط المناخية، بل هي قضية وطنية وسيادية تمسّ المرتكزات الاساسية في الاقتصاد وعاملاً من عوامل الاستقرار الاجتماعي والأمني، وهذا ربما يتطلب اعادة النظر في الاولويات وتعديل بعض التشريعات وتغليظ العقوبات على الاعتداءات والتعدي على المياه الجوفية كملكية عامة وثروة وطنية تضاهي في نتائجها الاعتداء على المال العام، وربما تزيد.
ثالثها: من اللّافت ان الدراسة قد ركزت على هيمنة القطاع الزراعي (يستحوذ على الحصة الأكبر من المياه رغم مساهمته المحدودة في الناتج المحلي (6-7%)، ما يثير جدلًا حول أولويات التخصيص وكفاءة العائد الاقتصادي)، وهنا لابد من التأكيد على ان اهمية القطاع الزراعي لا تقاس في مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي فقط، بقدر مساهمته في استقرار الامن الغذائي والمجتمعي كعناصر اساسيه للأمن الوطني. ولا شك بأن قطاع الزراعة، وخصوصاً المروية، بحاجة الى اعادة ترتيب اولوياته وتشجيع الزراعات ذات المردود العالي والقيمة المضافة مع الاخذ بعين الاعتبار حاجته المائية. و لابد من الاشارة الى ان جميع دول العالم، بلا اسثناء، تقوم بدعم مباشر او غير مباشر لقطاع الزراعة لاهميته في دعم القطاعات المختلفة. وهنا تأتي اهمية الترابطية بين قطاعات المياه والطاقة والبيئة والغذاء والعمل على تقوية روابطها وتسهيل ادوات تناغمها، خصوصاً مع تزايد تحديات التغيرات المناخية والاجتماعية وشح المياه المتسارعة في منطقتنا، فالاردن بحاجة اكثر من اي وقت مضى الى تبني الترابطية كمنهجية مؤسسية تواجه هذه التحديات وتساهم في دعم امننا الغذائي والمائي والذي يشكل الدعامة الاساسية للتنمية المستدامة.
رابعها: بينت الدراسة ان جزء من ازمة قطاع المياه مرتبطة بـ (تأجيل القرار السيادي وضعف القدرة التفاوضية. فإدارة ملف المياه غالبًا ما تُختزل في الجانب التقني، ما يضعف قدرة الأردن على فرض شروط عادلة أو تحويل الأزمات إلى فرص تمويلية. كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي يقيّد استقلالية القرار الوطني ويزيد من التبعية للمؤسسات الدولية) وهنا اتفق مع الدراسة في جزئية ضعف القدرة التفاوضية، فالتفاوض في قطاع المياه يعتمد في على رؤية المُفاوض الاستراتيجية وعلومة المعرفية الشخصية والتي تتغير بشكل كبير اذا تم استبداله لاي سبب، ولا يوجد عمل مؤسسي يدعم المفاوض الاردني ويقدم له الرؤيا الاستراتيجية الاردنية في قطاع المياه وربطها مع النهج السياسي الوطني ليتمكن من العمل على اساسها. ولا بد من تطوير مرجعية استراتيجية في التفاوض تمزج بين المتطلبات الفنية والسياسية الاستراتجية بعيدا عن الاجتهادات الشخصية الآنية، لا تتأثر او تتغير ثوابتها عند تغير الاشخاص او الحكومات. اما فيما يتعلق بالتمويل الخارجي وتأثيره على استقلالية القرار، فإنه من المعروف بان قطاع المياه في الاردن يعاني من ضعف التمويل الذاتي والحكومي وانه ليس بالامكان تمويل المشاريع التنموية في القطاع بمعزل عن التمويل الدولي والذي يكون في معظمة، بل وفي مجمله، بشروط اصلاحية للقطاع مثل تقليل الفاقد وإعادة الهيكلة، ولااعتقد ان هناك تبعية بالمفهوم السياسي لمؤسسات التمويل الدولية. وفي موضوع قدرة الأردن على فرض شروط عادلة أو تحويل الأزمات إلى فرص تمويلية، فإنه من البديهيات التفاوضية وجود اوراق تعزز شروط التفاوض ووضعها على الطاولة في الوقت المناسب، وهذا يعتمد على وضع مرجعية استراتيجية لإي مفاوضات تتعلق بالمياه وإعادة النظر فيها عندما يتطلب الامر ذلك.
وختاماً، وفي ظل التحديات غير المسبوقة التي يواجهها قطاع المياه في الأردن، باتت الحاجه ملّحة اكثر من اي وقت مضى الى اعادة النظر في رؤية هذا القطاع واتخاذ قرارات قد تكون اقل شعبوية للاصلاح حيث ان كلفة الامتناع اوتأجيل اتخاذها والتاخير في وضع إطار متكامل لإعادة هيكلة القطاع وإصلاحه قد تؤثر على المرتكزات الرئيسية في مسار التحديث الاقتصادي والأمن المائي الوطني وتحقيق الاستدامة وضمان حق الأجيال القادمة في الحصول على المياه.